العربي في الشرق، شكلا ومضمونا، منذ بداية سريان الوعي القومي في الوجود العربي إلى الآن ..
وبالرغم من استيعابنا للمفهوم الجديد للأدب عند إخوان لنا في اللغة والقومية وفي مشاكل الأمس واليوم، وفي أهداف الغد.
وبالرغم من فهمنا للتيارات الأدبية عند رواد النهضة الحديثة، في شتى ألوان الأدب، وكيف تطور وارتقى الأدب على أيديهم وأيدي من بعدهم، وكيف تسربت إلى الأدب على أيديهم وأيدي من بعدهم، وكيف تسربت إلى الأدب العربي مناهج البحث، ومذاهب الالتزام، ومدارس النقد الغربية .. وكيف احتضنها هذا الأدب العملاق، ومشرقها ..
وبالرغم من كل هذا، فإننا نظريون .. إلى حد نشعر معه بالخجل.
ولنأخذ - لنمثل لذلك- شعرنا الذي يعاصر النهضة العربية الحديثة، في الحيز الزمني، ولنغربله ولنصفه، معتمدين على أساليب ومدارس النقد الحديث، نجد أن إنتاجنا لا يساير المفهوم والمقياس الجديدين، ولا يضارع الأدب الشرقي في القيمة والكثافة والأصالة .. رغم مجاراته له سطحيا في الشكل، إذ أن الشعر عندنا، مثلما هو عند إخواننا الشرقيين، يتجه ثلاثة اتجاهات:
1) اتجاه لا زال يتمسك ببعض قوالب وصيغ ومفاهيم النهضة .. القصيدة العمودية، ذات الألف موضوع، المعتمدة على الجناس والمحسنات الأخرى، ويقلب على رواد هذا الاتجاه عندنا، عدم الاحتكاك بالعصر، وقضايا الساعة، إذ أنهم لا يهتمون بشيء، بقدر ما يهتمون بأن تشبه قصائدهم قصائد أبي تمام وأبي الطيب وغيرهما من فحول القدماء.
2) اتجاه اعتنق رواده التيار الجديد، في الشكل أيضا، بينما هذا التيار يدعو إلى تجديد في الشكل والمضمون، حيث يدعو إلى كسر وحدة البيت، أي إلى الاعتماد على التفعيلة في القصيد، بدلا من الشطر، مع عدم التزام القافية الواحدة، بالضرورة، في كل القصيد .. هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فهو يدعو إلى إشراك الأبيات العدة، في المعنى الواحد، فاستقلال البيت الذي يفرضه الاتجاه الكلاسيكي يصعب معه قول كل ما يجول في نفس الشاعر، ويسوق أحيانا، إلى حشد كلام في القصيد، لا يجول في نفس المبدع، ولا يتسق مع العمل الأدبي .. وإنما فقط لإتمام هيكل البيت .. ثم إن مشاكل العصر تعقدت وتشعبت، فالشعر العمودي يوشك أن يكون مستحيلا .. الخ.
هذا الاتجاه الجديد اعتنقه كثير من أدبائنا الشباب، بعد أن فهموه فهما مغلوطا، فراح أكثرهم يكتبون شيئا لا هو بالشعر ولا هو بالنثر، ومع ذلك ينشر في صحفنا .. الصحف التي تبقى بعض أعمدتها بيضاء، فتعمد إلى تسويدها بالدعاية لغلم يعرض بدار لم تندبها للدعاية لها .. (هذا مع تشكينا من ضيق مجال النشر).
3) وبين هذا الاتجاه وذلك، يوجد اتجاه معتدل، يحاول أن يأخذ محاسن كل من الاتجاهين السابقين ومحاولات رواد هذا الاتجاه تهدف إلى مسايرة المفهوم الجديد للأدب باعتدال، فهي مقتصدة في التمسك بالقديم، وفي اعتناق الجديد .. أو قل إنها تحتفظ من القديم بما لا يجمل التخلي عنه، وتأخذ من الجديد ما أكد العقل، والمنطق وجاهته وأصالته.
ولكن مثل هذا الأدب، عندنا، ضئيل جدا بالنسبة لأدب الاتجاهين السابقين فإنه الالماسة في كومة فحم ..
ثم أن هناك جانبا لا نسائل إنتاجنا الأدبي عنه، وهو الجانب الفلسفي فأدباؤنا لا يضعون إبداعهم على أساس الفكرة الفلسفية إلا لماما، ونقادنا لا يلتمسونها في أعمالنا الأدبية، وإذا ألتمسها بعضهم لا يكاد يعثر إلا على لقطات يسيرة، عابرة .. غير ذات خطر في الأثر .. هذا مع علم كل من الأديب والناقد، بأن علاقة الفلسفة بالأعمال الأدبية، أصبحت، منذ زمان كالعلاقة بين الماء والورد.
هذا عن الشعر، ولعل شبيها منه يمكن أن يقال عن بقية ألوان الأدب الأخرى.
- ب -
مشكلة علاقة الإبداع، بالمثل الأعلى الذي يترسمه المبدع ..