تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تدخل الاستعمار هذا، هو العائق الأول الذي تستولده بقية العوائق الأخرى.

ومن هذه العوائق التي تستولدها كذلك، مشكلة عدم الانسجام الثقافي، فالتدخل المستخدم المحطم هو الذي صدع الوحدة الفكرية في بلادنا، حيث كان من تخطيطه عدة مناهج للتعليم كل منها يبتعد عن الآخر .. فتنوعت بذلك ثقافات أفراد الشعب، فثقافة فرنسية وأخرى عصرية، وثالثة دينية، أي أن كل فرد من أفراد الشعب كانت له مع هذا التصدع الثقافي، مفاهيم وقيم تغاير، بل قد تعاكس، مفاهيم وقيم الآخر .. هذا مع العلم أن أكثر من ثمانين في المائة من الشعب لا يكتبون لأن الاستعمار وقف في طريقهم حاجزا بينهم وبين التعلم .. وهذا بالطبع لا يساعد، بل ويعوق خلق أدب متكامل منسجم ..

ومن هذه العوائق، التي تمخض عنها الاستعمار، عدم توفر المجال للنشر .. فدور الطباعة التي تشرك الأديب في الربح، وتتحمل وحدها الخسارة، منعدمة في بلادنا، وهذا ما جعل الأديب ينتج، ويبقى إنتاجه في الدرج، أو يعرف مقدما أن إنتاجه لن يرى النور .. فلا يكتب.

ومنها أيضا عدم وجود القارئ الواعي، الذي يستهلك ما ينتج الأديب المغربي، أو قل، يستهلك ما ينشر منه.

والخلاصة، في رأي معالجي أزمتنا الأدبية، أن القضية كلها عدم في عدم، والنتيجة، بالضرورة .. عدم.

ولعل لهذه العوائق، وليدة الاستعمار، أثرا ما في ضآلة وغثاتة أدبنا، إلا أن هذا الأثر ليس من الخطر بالمكان الذي يدعو إلى جعل هذه العوائق أخطر ما يعترض خطأنا الأدبية، فلعلنا، إذا ناقشناها قليلا، نجد أن الواقع يؤيد أن عرقلتها لسير أدبنا ليست جسيمة .. فبالنسبة للعائق الأهم، تدخل الاستعمار، نجد أن ما أنتجه الشاعران الحلوي وعلال الفاسي في ظل الاستعمار أكثف وأكمل مما أنتجاه بعد الاستقلال، ونجد أن ما كتبه الأساتذة محمد الفاسي، وعبد العزيزي بنعبد الله، وعبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم غلاب، من ألوان النثر قبل الاستقلال كان أضخم وأعم مما نقرؤه لهم بعد الاستقلال، فتأثير التدخل التسلطي إذا، قد يتمخض عن رد فعل عكسي، مهما بلغت قسوة وحنكة هذا التدخل ما دام يلقي أمامه أديبا مشحونا بطاقات ثورية على الاستعمار، وعلى كل خطط وبرامج الاستعمار ..

وأما بالنسبة لوسائل النشر، وعلاقتها بالربح والخسارة، فأنني اعتقد أن الأديب الأصيل لا يبالي بهذه الأشياء، ولا يجعلها من اعتباراته، فإنتاجه لفنه ليس متوفقا على وجود وسيلة للنشر، أو على عدمها، بل هو كالأم، يحمل الفن جنينا في ملكاته الباطنية، ومتى أحس به يتخبط في جوفه .. وضعه .. ولو أن تحقيق الأعمال الفنية يعتمد على سهولة النشر، وضمان الربح منه، لما حفظ تاريخ الفكر لنا تراثا ضخما كثيفا، لم يستفد منه أصحابه درهما.

وأما مشكلة القارئ فمحسوسة من تلقاء نفسها، متى وجد الأدب الذي يقرأ، كالسباحة تجد من يتقنها في قرية يوجد قربها نهر ..

فهذه العوائق التي ركز الباحثون بحوتهم عليها ليست جذرية بل هناك عوامل أخرى، اغفلناها، وتغفلها اغفلا يكاد يكون تاما، في حين أنها العلل الجذرية الحقيقة لسطحية وهزال وتفاهة إنتاجنا الأدبي، وأهم هذه العوامل وأخطرها، ينبع من ذاتيتنا، ولا يأتينا من مؤثر خارجي.

وأننا، بقليل من التروي وإمعان النظر، يمكن أن نصنف هذه العوامل الجذرية التي تعوق تقدم أدبنا إلى صنفين:

1) عوامل ذاتية، تكمن في نفسيتنا جميعا، سواء منا الناقد، والمبدع والمتذوق ..

2) عوامل ليس فيها بد، وقد يكون الناقد والمبدع مسؤولين عنها ..

والقسم التالي، محاولة يقصد منها بحث أخطر عوائق هذين الصنفين.

- أصنف عوامل الدرجة الأولى وهي:

-1 -

مشكلة كوننا نظريين حيال المفهوم الجديد للأدب فبالرغم من إطلاعنا على المراحل التي قطعها الأدب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٩٢