دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 55
نظرة جديدة في أزمتنا الأدبية
للأستاذ: ابن دفعة محمد
لعلي، وأنا أزمع على طرق هذا الموضوع، أشبه بمن يزمع على نبش قبر .. والجثة نتنت .. وتهرأ عن بقاياها الكفن ..
ذلك لان الأزمة الأدبية عندنا، تداولها البحث منذ فجر الاستقلال، وتنوعت الأقلام والمواهب والمقدرات التي عالجتها .. وقد عولجت هذه الأزمة في شيء من الوعي، وفي شيء من الشمولية حينا، وفي كثير من السطحية والارتجال والتجزئة في كثير من الأحيان .. ثم أهملت، وهجر التحدث عنها، تماما كما تهجر المائدة بعد الشبع، وهي لا زالت حافلة ..
بيد أن كثير من هؤلاء الباحثين أنكروا بتاتا، وجود أزمة أدبية في بلادنا، لأنهم أنكروا أصلا، أن لنا أدبا .. بل، وشك بعضهم كثيرا في إمكان أن يكون لنا أدب .. وكانت حدود أبحاثهم، في أكثر تكاد تقف عند مناقشة هذا السؤال المكرر: هل لنا أدب، حتى نشكو من أزمة أدبية؟.
ويبدو أن هذا سؤال غير مشروع، بل إنني أكاد أعتقد أنه هازل، إذ ليس من المشروعية في شيء أن نتساءل: هل في المغرب حياة؟ هل فيه أمة وقومية وأهداف؟ هل فيه إنسان؟ والسؤال الأول يحمل، ضمنيا، كل هذه الأسئلة، فما من أمة بلغت درجة من الرقي والوعي، وآمنت بقومية، وتطلعت إلى مجموعة أهداف إلا وظهر هذا الوعي، وهذا الإيمان والتطلع في محاولاتها الأدبية .. ولعل من العسير جدا إنكار معالم النهضة الأدبية، والفكرية عامة، التي تطل براعمها في بلادنا، ولعله ليس من اليسير أيضا إثبات التهمة الموجهة إلينا كتهربيين متسلخين من قوميتنا وأهدافها، بل يخيل إلى أن هؤلاء الباحثين الجادين أنفسهم يؤمنون بوجود تيار قومي عربي تحرري، وتيار فكري أدبي هادف، وما ساقهم إلى وضع مثل هذا السؤال إلا الحاجة القومية لتسويد وجه الصحف .. وإلا، فكيف ينكرون وجود أدب مغربي وأزمة أدبية، وهم في اللحظة نفسها، ينتحلون ألقاب: (شاعر، ناقد، أديب، كاتب .. ) ويلتحفونها، ولا يقبلون بوجه أن تخلع عنهم ..
نعم، قد يكون الأدب، في أمة ما، ذا مستوى أخفض، بكثير أو قليل، عن مستوى الآداب العالمية الكبرى، وهذا ما لا سبيل إلى إنكاره بالنسبة للأدب المغربي، فإن حركتنا الأدبية لا تواكب الآداب العالمية في تياراتها الفكرية، ومفاهيمها الجديدة، بل إننا متخلفون، بشكل بارز، عن ركب الأدب الشرقي نفسه، رغم الصلة الوثيقة بيننا وبينه في لغة الأداء، وفي القضايا والأهداف المشتركة، في الآلة والمادة الخام ..
???
وأسباب هذا التخلف أنواع .. إلا أن أخطرها ينبع من داخلنا، من نفسيتنا .. بينما نحن، كلما شعرنا بخطورة تخلفنا عن غيرنا، سعينا إلى تبريره بأعذار وبأخرى، متملصين من مسؤولياتنا، فنفتعل حالة المجبور ساقته، وتسوقه قوى خارجة عن إرادته .. إذ نعدد عوامل كثيرة تفوق ازدهار الأدب والفكر في بلادنا، ونكاد نفرغ كل هذه العوامل عن أصل واحد، هو تدخل الاستعمار في حياتنا الفكرية طيلة المدة التي تدخل أثناءها في حياتنا السياسية والاقتصادية.