تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 52

وجهة الثقافة المغربية

بقلم الأستاذ: عبد الله الكتاني

إلى أين تولي الثقافة وجهها في الظروف الحاضرة؟ قبل الجواب على هذا السؤال، أسارع لأبين أن كلمة «الثقافة» في هذا السؤال ليس معناها مقدار الحصيلة الفردية لكل مغربي من العلوم والأدب والفنون أو الحضارة، وإنما هي: ذلك الزاد الحضاري القومي المشترك، الذي تتغذى منه ثقافة كل مثقف مغربي على حدة، وينطبع بها إنتاجه، ويتوجه بها سلوكه، وتتأثر بها أحاديثه وجميع مواقفه، أينما تثقف، وكيفما كان لون الثقافة التي علمها.

الثقافة المغربية بهذا المعنى، هي التي نريد في هذا المقال أن نبحث لها عن وجهة، ونحب -تبعا لذلك- أن نراها في أشكالها الحية أولا، والشعبية ثانيا، والوطنية ثالثا.

فالمقصود بالثقافة الحية، مجموع زاد المثقفين ثقافة واسعة في العلم والأدب والفلسفة والاجتماع والأخلاق، في الحالة التي تحتك فيها ثقافة هؤلاء المثقفين بعضها ببعض، لنتصل بعد ذلك بالطبقة الشعبية في المجتمع، فتشارك فيها، وتتأثر بها، وتؤثر فيها، وتتمثلها بعد أن يضعها هؤلاء المثقفون بين يدي الشعب.

ولن يستطيع قائل أن يزعم أنه لا وجود لمن يمثل أصحاب الثقافة الحية هذه في مغربنا الحبيب، بل هم في الوطن كثير، على اختلاف ثقافاتهم واتجاهاتهم وألوانهم وأشكالهم .. ولكنا صدفنا، منذ البدء، عن البحث في الثقافة الفردية لكل من هؤلاء على حدة، لأن ذلك أمر يطول، ولا يعطينا فكرة صائبة عن وجهة الثقافة المغربية بالشكل الذي نريد، لكثرة الأفراد من جهة، ولان الأحكام الخاصة بفرد من الأفراد يصعب تعميمها حتى على ذلك الفرد نفسه في سائر أطواره وحالاته من جهة أخرى .. فإذا رجعنا إلى البحث عن وجهة الثقافة المغربية بالمعنى الذي اتفقنا عليه، أسفنا القول: أن وجهة هذه الثقافة لم تتبلور بعد في اتجاه واضح المعالم والخطوط، ذلك أن أصحاب الثقافة الحية منكمشون على أنفسهم انكماشا تاما، منعزلون عن المجتمع الثقافي انعزالا كليا، جامدون على ما علموا جمودا مريعا، تكاد تحسبهم -معه- إلى الجاهلين أقرب منهم إلى المثقفين، والثقافة -مهما كانت غالية- كالمعدن يفقد نفاسته، وتضيع قيمته، إذا أهملت صقالته ورعايته، وجلاء الثقافة الحقيقي: نزولها من الأبراج العالية، وخروجها من وراء المكاتب والإدارات، إلى قاعات البحث والمحاضرات، ودوائر المناقشات والمناظرات ليقدح الفكر الفكر، ويوري الزناد الزناد، وتنير شعلة الفكر الطريق للسارين، وتتضح معالم الطريق للحائرين، ويظهر للثقافة المغربية اتجاهها السليم.

فأصحاب الثقافة الحية، حينما يحتفظون بثقافاتهم لأنفسهم، ويخفون اتجاهاتهم عن الشعب والوطن، تكاد ثقافتهم هذه لا تنفعهم، وتصبح تجارة بائرة بين أيديهم، ينسونها أو تنسيهم إياها الأيام، إن المثقفين (الأحياء) -إذا صح التعبير- يعيشون اليوم في بلادنا على هامش الحياة الثقافية المغربية، وكان من حقهم أن يغمروا هذه الحياة بجدهم ونشاطهم، فإذا هذه الحياة تغمرهم، وتعمل على ضمور ثقافاتهم، وإخفاء اتجاهاتهم الحقيقية، وما ذلك إلا لتفاوت الثقافات وتنوعها في هذا الوطن: فنجد المثقف العربي يخفي صوت ثقافته العربية على استحياء، مخافة أن يتهم بجهل الثقافة والحضارة، ويصف إلى جانب غير المثقفين «اللامتحضرين»، ونجد المثقف ثقافة غير عربية عاجزا عن المضي بثقافته في المستوى الذي رآه في البلاد التي تثقف فيها، فيخفي صوت ثقافته عن تواضع أو عن غرور: يتواضع إذا علم بضعف ثقافته بين الثقافات الغربية، ويستكبر إذا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٨