الرئيس ترومان» لتبلغ آخر ديوان أصدره صلاح عبد الصبور، وعبد الباسط الصوفي وبدر شاكر السياب .. وفي ميدان الرواية تنطلق من «عودة الروح» لتصل إلى ثلاثية قصر السوق، وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وجيل القدر لمطاع صفدي.
ورغم النجاح الذي حققه الأدب الحديث في بعض الأقطار العربية، فإن التجربة لفتت الأنظار إلى كثير من المآخذ، مصدرها الحماس المفرط في الاقتباس من الثقافة الغربية، وعدم مراعاة ظروف مجتمعنا المتميزة عند المزاوجة بين الثقافتين. وهذه الظاهرة أكثر ما تتجلى في الشعر الحديث .. فالقارئ لدواوين الشعراء العرب المحدثين يحس سوداوية كافكا ورامبو، ويلمس تورية لوركا وناظم حكمت، ويدرك كاثوليكية ت. س. اليوت، ورمزية قاليري، هذا التأثير الواضح يطمس الشخصية العربية المعاصرة بقلقها وضياعها وثورتها .. وربما كانت هذه الظاهرة أمرا طبيعيا بالنسبة للمدة الزمنية التي عاشها الأدب العربي الحديث ..
تأتي الآن لنتساءل عن موقف الأديب المغربي الناشئ، هذا الرائد المتطلع الذي يراد منه أن يطوي المذاهب المتباينة والثقافات العميقة المعقدة؟؟
إني لا أريد أن أضخم المسؤولية أو أن أسهب في تعداد الشروط التي يجب أن تتوفر في أديبنا الحديث .. ولكن هذا العرض الموجز يوضح أن مسؤوليته تقوم على أساسين هما الاختيار أولا، وبذل الجهد اللازم لتنفيذ هذا الاختيار ثانيا.
فالمطلوب من الأديب الناشئ أن يعانق عصره حتى النهاية، وأن يتمثل ثقافاته وإيديولوجياته ثم يختار ما يعتقد فيه خلاصا لشعبه المتخلف، ويصدر عن هذه الرؤية فيما ينتجه من قصص أو شعر أو مسرحيات ليبث الوعي، وينير السبل. إن الأدب بهذا المفهوم أرحب من تخطيطات السياسة، وأحق الوسائل كلها بالسبق الثوري، وتغيير المجتمعات ..
وفي اعتقادي أن العامل الأساسي الذي سيكتب لأدبنا المغربي المعاصر البقاء أو سيقضي عليه بالتعثر والتجمد، هو مدى نضج مستواه والتصاقه بالمعركة التي يخوضها شعبه في سبيل حياة أفضل .. ان هذا المستوى هو الذي سيدعم كيانه، ويوجد له جمهورا متجاوبا، ولعلني بهذا الرأي أتغاضى عن المشاكل ذات الطابع المادي .. ومع ذلك فإني أرى أن العمل الأدبي الأصيل قادر على شق طريقه وفرض نفسه ..
ويمكن أن نعتبر قصة الأستاذ عبد المجيد بن جلون «في الطفولة» مثالا ملموسا على هذا الرأي، لأنها رغم قلة وسائل النشر والدعاية استطاعت أن تفرض نفسها وأن توجد لها قراء يعدون بالمئات في بلادنا، وبالآلاف في بريطانيا، واستطاعات أن تتبوأ الصدارة بصفتها إحدى المعالم الهامة في ميدان الرواية المغربية الحديثة.
إن أدبنا المغربي المعاصر ما يزال في طور الإرهاصات يلفه ليل مخاض طويل، ورغم البلبلة والمشاكل فإنه سيجتاز فترة التبرعم ليبلغ فترة التفتح والنضج .. وكل هذه المشاكل التي ذكرناها تشكل تحديا لشبابه وتوقه وإمكانياته .. وان بعض البوادر التي تخطها أقلام شابة هادفة، تنبئ عن تحفز للانطلاق، واستعداد للمشاركة في صنع المفهوم الجديد لإنساننا المغربي ..