تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ظن بقومه القصور عن فهم اتجاهه وسلوكه في الحياة، وهو في الحالين عاجز عن المساهمة في دفع الثقافة المغربية المشتركة إلى وجهة معينة، وسبيل معروفة.

من أجل هذا، يتحمل المثقفون «الأحياء» تبعات جسيمة في سبيل خلق الاتجاهات السليمة للثقافة القومية المشتركة، ولا ينجيهم من هذه التبعة إلا بعض التضحية والإخلاص، التضحية ببعض المنافع والألقاب والأمجاد الشخصية، والإخلاص للثقافة التي علموها، وسمحت لهم ظروف الحياة أن ينفردوا بها من دون سائر الناس في هذا المجتمع المغربي الحبيب ..

والثقافة الشعبية في حاجة إلى توجيه الثقافة الحية ورعايتها، ومن واجب المثقفين «الأحياء» أن يأخذوا على عاتقهم رسم الخطط والاتجاهات للمثقفين الشعبيين، فلقد عرف تاريخنا نبوغا شعبيا ملحوظا في الثقافة الشعبية، وذكاء لامعا في المثقفين الشعبيين، ومقدرة خارقة على قول الشعر زجلا ونقدا وحكمة ودورا، وأنه في استطاعة أحدنا - لو كان يهمه الأمر- أن يبحث في التاريخ الشعبي، ليجد لهؤلاء المثقفين اتجاهات ونظريات معينة في الحياة، فيها مظاهر النبوغ والتعقل، وإمارات من الذكاء والحكمة ولكننا في عصر لا يسعنا فيه مزيد من التعلق بالماضي، والتمسح بأطلاله وأمجاده، وإنما يهمنا أن ننظر في واقعنا، لنلتمس فيه لنقائصنا كمالا، ولأمراضنا علاجا، ولتخلفنا إصلاحا، نجدنا مضطرين لان نقرر أن ثقافتنا الشعبية، هي الثانية أيضا، في حيرة، لا يعرف لها اتجاه، لأنها ترتوي من معين الثقافة الحية، وهذه الثقافة لا زالت نائمة راكدة، تمد الشعب بالتأخر والجمود، فيبادلها تأخرا بتأخر، وجمودا بجمود، وهي حالة تناقض كل إصلاح، ولا يرضى عنها ضمير الأمة.

الثقافة الحية، والثقافة الشعبية، تتعاونان معا على خلق «ثقافة وطنية» ونعني بالثقافة الوطنية، ذلك الزاد من الأخلاق والتربية التي يتلقاها أطفال الأمة في المدارس الابتدائية، وفي المنازل، وفي الشوارع والمخيمات، الثقافة الوطنية أساس كل إصلاح وتقدم في المجتمع، تعتمد عليها الأمم الحديثة، في تنشئة الأجيال المقبلة تنشئة صحيحة، وتغرس فيهم العقيدة السليمة، والاتجاهات الوطنية القويمة ..

على أن جميع المبادئ والمعلومات التي يتلقاها الأطفال في الصغر يصعب محوها منهم في الكبر .. والمشكلة الخطيرة التي تعترض الثقافة أو التربية الوطنية في بلادنا تكمن في أن هذه الثقافة تلقى إلى التلاميذ في بعض الأحيان بلغة أن كان يتكلمها المثقفون فهي ليست، بحال من الأحوال لغة عامة للشعب، ويقوم بإلقائها وتقريرها في بعض الأحيان الأخرى أناس ليسوا من هذا الشعب، ولا من عاداته، ولا من مبادئه، ولا من أخلاقه، إننا مضطرون لان نسلم مع كل احد، أن هذا الوضع إنما هو أمر مؤقت ومرحلة انتقالية ألجأت إليها الضرورة .. ولكننا مضطرين أيضا إلى أن نضيف إلى ذلك أن هذا الوضع المؤقت وهذه المرحلة الانتقالية ستحدثان لنا جيلا انتقاليا مضطربا .. لا وجه لثقافته الوطنية .. ولا ندري متى يدركه الاستقرار ولا متى يعرف الاطمئنان، وليست تبعة ذلك على هذا الجيل، وإنما هي جناية الأيام، وجناية الآباء على الأبناء (جناية الثقافتين، الحية والشعبية، على الثقافية الوطنية) إن أحببنا أن نكون صرحاء، وإلا فما ذنب الطفل، وهو لم يتلق في المدرسة ولا في البيت شيئا من مقومات عربته ومبادئه، إذا لم ينشأ عربيا أو نشأ على غير مبدإ؟ اعتقد أنه لا لوم عليه إذا لم يكن لثقافته وجه، مادام الكبار أنفسهم يسيرون على غير اتجاه.

ولو شئنا أن تقبل عذر كل ذي عذر، لما ألقينا تبعة عدم وجود وجهة للثقافة المغربية على أحد، ولبرانا ساحة الجميع، ولكن هذا ليس بشيء، على النائمين أن يفيقوا على أصوات التقدم، وعلى الجامدين أن يتحركوا على أنغام العمل، وليصغ كل منا يسمعه إلى ضمير الأمة يصيح في أعماقه مهيبا به إلى التضحية والإخلاص، أن بلادنا تمر بفترة انتقالية في ظروف عصبية، وبعقبات لابد من اقتحامها، ولكننا سنستعين على هذه الظروف، وعلى هذه العقبات بأنفسنا: فالذي وضعته ظروف ثقافيته في قالب من الجمود عليه أن يثور على هذا الجمود باعتقاده أنه اكبر من هذا القالب الذي فرض عليه .. والذي وضعته الظروف، خطأ، في صف المثقفين، وكانت الثقافة تبرأ منه، تقتضيه التضحية ويقتضيه الإخلاص أن يظهر على حقيقته للناس، ويتأخر بتقدم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٩