تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول جان بول سارتر في كتابه Situations ( مواقف) الجزء الثاني «أن الأدب هو - في جوهره- ذاتية مجتمع يعيش ثورة دائمة».

يقصد سارتر إلى اعتبار الأدب نداءات حرة تصدر عن مختلف الأشخاص لا لتؤثر مباشرة في السلوك العملي، وإنما لتكون إطار الأفكار والمفاهيم، ولتسجيل التحولات وردات الفعل طيلة مراحل التبدل المستمر التي يعيشها مجتمع ما. ومعنى ذلك أن الأدب يغدو بمثابة ضمير مرهف يسجل كل الذبذبات والارتجاجات داخل المجتمع مهما تباينت الطبقات، ولما كان الأدب يتوسل باللغة ويدخل في نطاق التفكير ومجالات الإمكان، فإنه بذلك يصبح معارضا لمجالات الفعل والتطبيق، وهو تعارض لم يمح قط لان أحلام الإنسانية وأمانيها لم تتحقق بالضبط في دنيا الواقع، ولان الواقع يتغير بسرعة دائبة. من ثم أصبح يتحتم على الأدب أن يكون سباقا يعكس باستمرار التحولات الطارئة في حياة المجتمعات.

كل هذه الآراء وغيرها تقرب على أذهاننا المحتوى الجديد لمفهوم الأدب في عصرنا وهي تلك على ضرورة التحام الأدباء بعصرهم، ومحاولة عكس كل التغيرات والتحولات التي يجتازها الإنسان والمجتمع .. فالإنسان هو محور النشاط والتقويم والفعالية، وليست هناك قيم وأفكار سابقة تقيده .. بل هو يعيش تجربة منفردة يجهل نهايتها، ولكنه يؤمن بمسؤوليته في الاختيار، ويؤمن بحقه في الرفض والتمرد ..

طبيعي أن هذه الأفكار مشتركة بين كثير من الأناسي في المجتمع الحديث، ولكنها لا تنفي وجود النسبية الناجمة عن تغاير الظروف المجتمعة. وعلى هذا الاعتبار، فإن المشكلة الأساسية التي تواجه أدبنا الوليد المتلمس لخطاه، الباحث عن نفسه، هي مدى قدرته على تمثل المفاهيم السائدة في مجتمعه والعمل على بلورة الصالح منها أي بلورة المفاهيم التي ستمكن لشعبه المتخلف من اللحاق بركب الحضارة المعاصرة ..

الواقع أن عملية مثل هذه ليست هينة لأنها يجب أن تتم في مستويين مختلفين، ولكنهما متكاملان:

1 - المستوى الإيديولوجي: وأقصد به مصدر الرؤية الحياتية للأديب أو المفكر .. وليس ضروريا أن يرتبط بإيديولوجية سياسية ولكن أديب المستقبل في بلادنا كما افهمه - يجب أن يكون أكثر تقدما من جميع الإيديولوجيات، وبعبارة أخرى يجب أن يربط مصيره بمصير الطبقات العاملة الحية عندنا، لأنها هي التي ستكون جمهور الأدباء في المستقبل، ولان أي تقدم أو حضارة في شعب متخلف لا يمكن أن يصنع بدونها.

2 - المستوى الفني: وهذا العنصر الثاني أكثر تعقيدا وصعوبة، ذلك إننا نواجه أرثا ضخما من الثقافات والمذاهب، تستوجب فهما واستيعابا دقيقا، قبل أن نتمكن من إيجاد شخصية فنية أصيلة. وإذا كان الجيل الجديد من أدبائنا سيؤثر اختيار مبدأ الالتزام فإن الشعار لن يعفيه من تحقيق شرط الجودة الفنية، لان الأدب يختلف عن العلم والفلسفة يقول الناقد فأديم كوزينوف في هذا المعنى (3):

«من الضروري أن يكون التفكير في الفن تفكيرا فنيا، ولهذا يختلف اختلافا جذريا عن التفكير العلمي أو التفكير الفلسفي، والفكرة الفنية توجد وتنمو كصور، وهذه الصور هي الشكل الداخلي لتفكير الفنان تماما كما أن الإدراك هو الشكل الداخلي لتفكير الفيلسوف».

وهذه الصعوبة التي ستعترض أدبائنا الناشئين، هي نفس الصعوبة التي واجهت الأدب العربي في المشرف بعد أن طرح مبدأ الالتزام، وارتاد آفاقا جديدة أكثر صدقا واستجابة لمشاكل شعوبهم. وقد نتج عن هذا التحول من القالب التقليدي إلى القالب الحديث، تخلخل في الأشكال الفنية، إلا أن المفهوم الجديد للأدب في المشرق العربي استطاع رغم كل شيء، أن يفرض نفسه، وأن يقدم نماذج ناجحة تمتد من قصيدة عبد الرحمن الشرقاوي «رسالة من أب مصري إلى

1 سارتر Situations II

2 Express 30 نوفمبر 1961 ص 14

3 مجلة الآداب - أكتوبر 1961.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٦