تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجيدة، وحضارة براقة في عنفوان الشباب، وقد تعرض المغرب بحكم انتسابه إلى العالم العربي تاريخيا وحضاريا لنفس التجربة رغم محاولته الاحتفاظ بعزلته وحريته مدة أطول.

وكلكم تعلمون تفاصيل ردود الفعل لشعوبنا العربية إزاء خطر الغزو الأوروبي وبخاصة عندما ظهرت نواياه سافرة، هادفة إلى مسح مقومات الحضارة العربية ومحو شخصيتها وإعطائها شكلا يضمن للرأسمالية والدول الكبرى استغلالا أبديا، واستسلاما كليا وقد كان رد الفعل في المغرب أمام محاولات الفرنسة يعتمد على دعامة أساسية في تكوين مجتمعنا آنذاك، وهي دعامة الثقافة العربية. والواقع أن بعض الدول العربية في المشرق استطاعت أن تلقح الثقافة التقليدية وأن تحييها بكيفية أكثر تنظيما وفعالية، أما هنا في المغرب، فإن الثقافة التقليدية اندمجت في إطار الكفاح الوطني، وأصبحت وسيلة من وسائل الدفاع عن الشخصية والاحتماء من فظائع المسخ والتشويه، لذلك فإن إنتاج فترة الحماية ينعدم فيه الاهتمام بتطوير الشكل وتعميق المضمون .. وأكثر ما يتجلى ذلك في سيل القصائد التي نظمت بمناسبة أعياد العرش، والتي لم تكن - في حقيقتها- مدحا خالصا بل أبرازا لقضية أساسية كانت تشغل الرأي العام المغربي قاطبة .. ونفس الملاحظة يمكن أن توجه إلى الأبحاث التاريخية والمقالات وبعض القصص القصيرة، والمسرحيات .. فقد كانت تهدف إلى إقامة حاجز يحول دون تسرب المد الفرنسي إلى عقول وأرواح المغاربة .. ومن ثم نجد بعض نقادنا يقررون أن أنتاجنا الفكري والأدبي في فترة الحماية كان أكثر ازدهارا مما هو عليه الآن. الحقيقة أن هذا الرأي يحتاج إلى مناقشة يمكن أن تجعل منها مفتاحا لجوهر المشكل .. فمن المغالطة القول بأن إنتاج فترة الحماية كان في مستوى عميق يعبر عن جميع أبعاد تجربة شعبنا المقهور .. بل كان - كما قلت من قبل- وسيلة من وسائل الكفاح يردد في إشكال متباينة أصداء المعركة، ولكنه لم يكن قط ثوريا كاشفا لآفاق جديدة متخطيا عهد الاستعمار إلى ما بعده، مثلما فعل محمد ديب في ورايته الخالدة البيت الكبير حينما ركز محور الأحداث على مشكلة الجوع والتخلف وحمل الاستعمار النصيب الأكبر من المسؤولية، وفي نفس الوقت أوحى لنا من خلال الحوار أن زوال أنظمة المستعمر غير كاف لحل المأساة، بل يتحتم إيجاد نظام أكثر عدلا وتجاوبا مع مطامح الإنسان الجزائري .. ونتيجة لهذه الرؤية العميقة اكتسب روايات الديب أصالتها وقوتها وغدت في مستوى الثورة التي يعيشها مواطنوه .. مثل هذا الإنتاج لم يوجد عندنا في فترة الحماية، ولكن قيمة محصول هذه المرحلة آتية من كون معظم الذين كتبوا بأقلامهم كانوا يصدرون عن عقيدة وإيمان، وكانوا يترجمون مشاركتهم العملية في الكفاح إلى قصائد أو مقالات وهكذا فإن فترة الحماية جسمت لأدبائنا الأخطار المحدقة بوطنهم فلم يتقاعسوا عن تحمل مسؤولياتهم ..

نريد أن نتخطى الآن كل التفاصيل لنصل إلى عهد الاستقلال .. فقد لوحظ في هذه الفترة أن معظم الأقلام قد خفت صريرها وتضاءل الإنتاج .. مما دفع البعض إلى تعليل ذلك بأن الوظائف قد امتصت مختلف الطاقات وشغلتها عن ميدان الأدب والفكر، - وهو تعليل يبدو معقولا لأول وهلة إلا أننا سرعان ما تتبين جوانب أخرى للمشكل. فالاستقلال حدث هام، كاف لأحداث تغييرات بعيدة الفور في بنية المجتمع، وعودة المجمع إلى تكوينه الطبيعي بما فيه من تعارض بين الطبقات وبحث عن نظام يكفل التوازن والاستقرار، فإذا كان الحجر قد رفع، فقد ترك لنا مشكلة التخلف ماديا وحضاريا .. وإذا كانت كل الطبقات والآراء متفقة من قبل على ضرورة التعجيل بفك قيود العبودية، فإن عهد الحرية قد حمل معه أعباءها وقلقها، وجعلنا نعيش تجربة أكثر عمقا وتعقيدا، هي تجربة البحث عن أسس حضارية وطيدة في عالم سريع التغير. فكان من الطبيعي أن تطرأ هذه الوقفة المؤقتة على حركتنا الأدبية، وهي وقفة تتخذ طابع الأزمة لأنها تقترن بسؤال خطير تلقى الإجابة عليه أضواء ساطعة على دروب المستقبل .. هذا السؤال هو: هل بإمكان الأدب المغربي المعاصر أن يبرر وجوده أي أن يضطلع بوظيفته في مجتمعنا المتخلف المتأزم؟

إن تحديد وظيفة الأدب يتطلب مجالا أوسع، لأنه موضوع متشعب تختلف حوله الآراء نتيجة لاختلاف الرؤيات والمفاهيم الحياتية .. ومع ذلك يمكننا أن نجيب على السؤال في اختصار معتمدين على المفهوم الذي نؤمن به.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٥