تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 48

مشاكل الأدب المغربي المعاصر

للأستاذ: محمد برادة

كان الأدب المغربي إلى الربع الأول من القرن العشرين يعكس صورة مجتمعنا آنذاك .. وكان الشعر هو النوع السائد الذي يتوسل به للتعبير في ظروف تنعدم فيها الحرية، لان الشعراء كانوا يمتهنون الشعر ويتخذونه مطية للتكسب، وتبريرا لعطالتهم، ولان الحكام كانوا يتذرعون بقصائد الشعراء لنشر مآثرهم وإشاعة أمجادهم على العالمين. وهي ظاهرة لا يتفرد بها التاريخ وحده، بل نجدها أيضا في العالم الإسلامي وفي الأقطار الأوروبية قبل نهضتها الحديثة. وليس موضوعنا الآن دراسة هذه الظاهرة ولكنني أشرت إليها تمهيدا لبعض الفرضيات التي سأعتمد عليها فيما سيأتي من حديث.

وأولى هذه الفرضيات، أن الأدب قيمة اجتماعية، لكل المواطنين حق الإسهام في خلقها وتطويرها .. ولكي تكون هذه القيمة متوفرة على شروط النمو والتفتح، يجب أن تقترن بالحرية حتى يتاح لجميع أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم ومفاهيمهم أن ينتجوا دون التعرض لتعسف أو توجيه مفروض. هذه الحرية لم تكن متوفرة خلال فترة طويلة من تاريخ المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأوروبية وغير الأوروبية في عصور انحطاطها. ولعل ذلك أمر طبيعي بالنسبة للحكم الاتوقراطي، إذ من غير المعقول أن يسمح الحاكم وحاشيته لأبناء الطبقة المحكومة - المضطهدة في معظم الأحيان- بالتعبير عن مطامحها وسخطها.

اعتمادا على هذه الملاحظة يسهل علينا ادارك الفرق الشاسع بين مفهوم وظيفة الأدب في العصور الفارطة، ومفهوم الأدب في العصر الحديث، عصر سيطرة روح الجماعة على الفردانية.

ومهما يحاول بعض النقاد ويجهدوا أنفسهم للعثور على ملامح مشتركة تجمع بين غزليات امرئ القيس، وغلاميات أبي نواس، وشوقيات أمير الشعراء، فإن من يتمعن في الظروف الجديدة التي أصبح يعيش فيها مجتمعنا وباقي المجتمعات، والهزات المتتالية التي لحقت مختلف القيم والمقاييس، يدرك بوضوح مقدار تميز تجربتنا ومشاكلنا عن تلك الأنماط من الحياة والإنتاج ..

ولا مناص لمن يريد أن يتعرف على مشاكل أدبنا الحديث أو على الأصح لمن يريد أن يسير أسباب أزمته الموقتة، من الرجوع إلى أوائل هذا القرن. وأنا أسارع - قبل الدخول في التحليل - إلى توضيح فكرتي الإجمالية التي أريد أن انتهي إليها، وهي أنني استبعد المشاكل ذات المظهر المادي الصرف المتمثلة في عدم توفر وسائل الطبع والتوزيع ومردودات الكتب، وأحصر كل اهتمامي في مشاكل تتصل بمستوى أدبنا ومدى استجابته لظروف مجتمعه، وإمكانيات تأثيره، ومبررات وجوده، وأنا أزعم منذ البداية أن هذا المظهر الثاني من المشاكل هو الذي سيخط مصير أزمتنا وسيحدد ما إذا كان الأدب المغربي الحديث سيكتب له النمو والتفتح أم سيظل حبيس مشاكله الوهمية والحقيقية ..

لقد بدأ العالم العربي يخرج من سكوته وغفوته عندما تعرض لغزو أوروبا، وتجابهت حضارته التقليدية الحائرة مع حضارة تتمتع بكل مقومات الحياة من ديناميكية وقوة وتفوق.

وكانت عملية التجابه هذه عاملا منشطا، ونورا كاشفا، أزاح كثير من الحجب وخلق صراعا بين حضارة منهارة فارغة الوفاض إلا من كبرياء وذكريات

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٤