تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن النشاط الفكري الذي عرفه اليونان والرومان كان لرؤسائهم وأباطرتهم فضل عظيم عليه. وقد كان في القرطاجنيين أمراء وضعوا هم أنفسهم كتبا. والنهضة الإسلامية الجبارة في ميدان العلوم والمعارف كان للخلفاء والملوك فيها معظم الفضل وقد دشن الرسول محمد عليه السلام هذه النهضة بتشجيعه لرجال العلم والأدب كأبي بكر والخنساء وكعب بن زهير وأبي هريرة. وقام كل من المنصور العباسي وهرون الرشيد والمأمون بتيسير سبل العلم عن طريق الترجمة والتأليف وتشجيع الكتاب والعلماء والمؤلفين، والنهضة الفكرية الواسعة التي عرفتها فرنسا في القرون الثلاثة الأخيرة ساهمت فيها الحكومات ورؤسائها بأوفر نصيب، وما قيام نابليون بحملته على مصر التي صحبه إليها مئات العلماء لاكتشاف كنوزها العلمية والأثرية ألا مثال بسيط على هذا الاهتمام بشؤون العلم والفكر، ولم تتوان دول المغرب منذ الادارسة عن نشر العلم وتيسير أسبابه حتى اكتظت خزائن المثقفين بالآلاف من المخطوطات التي لا تزال بقاياها شاهدة على هذا الإنتاج العلمي الواسع. وكان في ملوك العلويين من ساهموا بتأليف عدة مصنفات كمحمد بن عبد الله وسليمان وعبد الحفيظ.

وحتى في أيام الحماية كنا نشهد حركة إنتاج واسعة لولا أن الإنتاج لم يكن يساير في معظمه المناهج الحديثة. وظهرت في هذا العهد مصنفات أبن الموقت المراكشي، وعبد الرحمن بن زيدان والفقيه الحجوي وغيرهم.

أما ركود الحركة الفكرية بعد الاستقلال فيرجع إلى أسباب شرحت بعضها وأذكر منها هنا البعض الآخر وهو:

1) أن وزارات التعليم والمتعاقبة صرفت كل جهودها تقريبا لصالح نشر التعليم الابتدائي ثم التقني ومع وجود تعليم عال أصبح يتسع نطاقه، فإن حركة التأليف والبحث لم تساير هذا التطور السريع لا من حيث النوع ولا من جهة الكم.

2) لم يفكر أحد من وزراء التعليم في أحداث لجنة دائمة ترعى شؤون الفكر أنتاجا واخرجا وتشجيعا. وكان جديرا بالمغرب أن يتوفر على مثل هذه اللجان التي كان من الأنسب أن تنبثق عن المجالس المختلفة للتعليم والتي كان دورها في معظمه سلبيا أكثر منه ايجابيا.

فيكيف أذن ترعى الدولة الحركة الفكرية؟

بل كيف تشترك جهود الباحثين والمربين والأدباء مع جهود الدولة التي يجب أن ترعى هذه الحركة؟

ففيما يرجع إلى الدولة:

1) من الضروري أحداث مجلس على غرار المجلس الأعلى لرعاية الآداب بالجمهورية العربية المتحدة، وإلا فتوسع دائرة المجلس الأعلى للتربية الوطنية الذي يبدو أنه دخل في ذمة التاريخ. ويجب أن يكون من شأن هذا التوسيع فتح المجال لمجموعة من رجال الفكر المعروفين بحماسهم ونشاطهم عمليا في ميدان المغرفة والإنتاج بالإضافة إلى ضرورة توفرهم على النزاهة النفسية حتى ينصبوا من قلوبهم على العمل الفكري، تارة بالتأليف وطورا بالترجمة مع الاهتمام المتواصل بتشجيع الإنتاج الفكري المحلي وتخصيص جوائز عالية ومتعددة لمختلف فورع المعرفة ولا كبر عدد ممكن من الكتب والمنتجين.

2) يجب أن تحدث البلديات الكبرى خاصة جوائز للتأليف والإنتاج الفكري.

3) تنشئ جميع الكليات والمعاهد مجلات وكتبا دورية وتخصص إعتمادات للأبحاث المقدمة باللغة العربية بمشاركة المفكرين والأساتذة وخريجي المعاهد العالية، وتجهز كل كلية معهد عال بمطبعة لنشر الكتب والأبحاث، خصوصا ما ينتجه خريجوها وأساتذتها.

تيسر كل الوسائل الممكنة لطلاب الدراسات العليا حتى يقوم كل منهم بالتنقيب والبحث، كل فيما يهم دائرة اختصاصه. وهكذا تفتح اعتمادات للمتخصصين في التاريخ والآثار واللغة والعلوم حتى يدرسوا أولا وقبل كل شيء مناطق وسكان وآثار المغرب المجهولة، ويصححوا أخطاء علماء الغرب، ويتصلوا بالمجتمعات في كل مكان ويدونوا لهجات السكان على اختلافها وكذا عوائدهم وسلوكهم وطريقة معيشتهم وسكناهم. كما تفتح الخزائن التي تتضمن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٢