الإنسان تشكل عاطفة الحب أقوى النزعات البشرية فيقبل الفتى، والحالة هذه - على مطالعة القصص الغرامية العنيفة، كرد فعل للكبت أو هربا من مجابهة الواقع. وهذه الطائفة لا يمكن صرفها إلى نوع آخر من الإنتاج إلا إذا قدم في إطار مشوق حتى ولو طعم أحيانا بالعنصر العاطفي ولكن في مظهر شريف. وبعد مرور هذه المرحلة يفتر الميل إلى القراءة شيئا فشيئا، باستثناء عدد محدود من الذين يوسعون نشاطهم الفكري أما مدفوعين بسبب تخصص دراسي وإما لمجرد الاستفادة.
1) أزمة الإنتاج
أما أزمة الإنتاج فهي أزمة نوع وكم معا، اما النوع فقلما يتجاوز إنتاجنا المقالة أو البحث ينشر في مجلة أو جريدة، وإذا استثنينا عددا لا بأس به من المقالات والأبحاث التي تطلع علينا بها دعوة الحق ومجلة تطوان وبعض الصحف، فالفقر والرداءة تخيم على هذا النوع من الإنتاج. وكان المفروض أن تكون لدينا مجالات ثقافية متعددة بعد الاستقلال إلا أننا مع شديد الأسف نرى أن كل المجلات الثقافية تقريبا قد اختفت من المنطقة الشمالية بعد الاستقلال، وقد عرفت هذه المنطقة نشاطا فكريا رائعا قبله. وأغلبية الأدباء والكتاب الذين عرفوا بمقدرتهم قبل الاستقلال أنستهم الوظائف السامية أو قتلت فيهم هذه الوظائف نشاطهم الفكري. وكان يمكن أن يخلفهم كتاب ومفكرون من هذه الأفواج المتدفقة من جامعات الشرق بالإضافة إلى جامعة الرباط. ولولا أن أغلب هذه الأفواج انصرفت إلى أنواع أخرى من النشاط، خصوصا في الميدان السياسي، ومع ذلك فليس كل متخرج بأهل لتقديم الإنتاج الجيد والموضوع المبتكر، كما أنه ليس كل من لم يتخرج عاجزا عن تقديم مثل هذا الموضوع وذلك الإنتاج.
وتطلع علينا الأيام بين آن وآخر بكتاب في موضوع ما، ولكننا لا نكاد نتلقف كتابا من شأنه أن يحرك أقلام الناقدين والمحللين إلا فيما ندر. ونحن نشكو فقرا هائلا في كتاب القصة الطويلة والأبحاث المستفيضة في مختلف العلوم والفنون، والذين يتوفرون على علم غزير قد تعوزهم روح النظام والتنسيق ويعجزون عن الإبداع في التقديم فيتقاعسون عن تأليف الكتب أو يقدمون كتبا تسود الفوضى مادتها وقد تقدم في صورة الكتب التي عرفها عصر الأصمعي، وندر أن يتلاءم التقديم والعرض مع مقتضيات التأليف الحديث، ومعظم كتبنا المنتجة تدخل في ميدان التأليف المدرسي بسبب النقص الذي كانت مدارسنا ولا زالت تشكو منه في ميدان التأليف المدرسي الجيد الملائم للبيئة المحلية. ومن المؤسف أن كثيرا ممن تتوفر لديهم المقدرة العلمية والكفاءة الفنية في التأليف يهملون هذا الواجب طوعا أو مكروهين بسبب ظروف خاصة.
2) قلة التشجيع
وهذه أكبر مصيبة منيت بها الحركة الفكرية في هذه الظروف. فالمغرب يجتاز الآن مرحلة سريعة نحو الرقي المادي ولكنه مقصر في الميدان الفكري أو الروحي على الأصح فشبابنا يتوجه نحو الهندسة والحقوق والطب والمدارس الفنية التي تضمن ربحا ماديا كبيرا وسريعا في آن واحد. والدولة نفسها قد كادت تقصر تشجيعها على أخراج مجموعات متخصصة في الفلاحة أو الهندسة أو الفنون التقنية. وحصول المغرب على عدد كبير من المتخصصين في هذه الفنون الحيوية ضرورة لا مفر منها حتى يصل المغرب إلى شيء مما يسمى بالاكتفاء الذاتي. ولكن حملة الأقلام ورجال البحث والمتخصصين في العلوم التي لا تضمن من ذاتها كسبا يذكر في الميدان الحر كالأدب والتاريخ والجغرافية لا يلتفت إليهم أحد، وربما كادوا لا يلتفتون حتى إلى أنفسهم، ويخيل إلى - والله أعلم- أن المغرب أصبح يشكو فقرا شديدا في هذه العلوم المنتجة ماديا، ونظرة واحدة إلى الأرقام التي تقدمها كلية الحقوق وكلية الآداب بالرباط، ترينا إلى أي حد من الإفلاس قد بلغت علوم الآداب على اختلافها، وأي مدى وصلت إليه علوم القانون التي يضمن فيها الطالب كسبا محققا مستقبلا لا معا.
ومهما يكن من عدد متخرجينا وتخصصهم فالتشجيع الخاص بالإنتاج الفكري ضعيف جدا في المستوى الرسمي كما يندر بين طبقة القراء عامة. ويجب أن لا نغالط مع ذلك أنفسنا، فإنتاجنا في الواقع هزيل في معظمه ولا يمكن ضمان أكبر عدد من القراء ما دام الإنتاج على هذه الصورة. أما الدولة فأولى بها أن تأخذ بيد الإنتاج الفكري، ولن تقوم للمغرب قائمة ما دامت الدولة لم ترع الإنتاج الفكري، فهذه سنة الطبيعة والتاريخ: