تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /نونبر 1961 .................... ص 44

من أصداء العدد الممتاز: الحركة الفكرية يجب أن ترعاها الدولة

للأستاذ: إبراهيم حركات

أطلعت على العدد الخاص من دعوة الحق الذي عالجت فيه مجموعة من الكتاب المحترمين أزمة الركود الفكري بالمغرب. ولم تكن لي فرصة المشاركة في هذا العدد لمشاغل طرأت، فأحببت أن أدلي بدلوي كما يقال مساهمة في إيجاد حل لهذه الأزمة الخانقة والتي أريد لها أن تكون خانقة.

أما أسباب هذا الركود في رأيي وأرجو أن لا أكون مخطئا - فيمكن حصرها في ثلاثة:

1) أزمة القراء

ويمكن القول بأن مشكلة القراء أصبحت عالمية رغم ما تتمتع به الدول المتقدمة فكريا من عدد وفير من القراء، ولكنه لا يمثل نسبة هامة من مجموع الأفراد المستعدين للقراءة. ومع ذلك، فالدول المتخلفة فكريا كالمغرب- من ناحية عدد القراء على الأقل- يفترض أن يكون استعدادها للقراءة أكثر من استعداد الدول المتقدمة، لأن هذه قد جرفتها سيول المادية فإنصرفت أغلبية القراء إلى المسليات التي تدخل فيها دور اللهو والسياحة والسماع إلى الموسيقى والرقص وغير ذلك مما صرف هذه الأغلبية، بقطع النظر عن مشاغل الحياة التي تعقدت، ووسائل الراحة والكسل التي تيسرت مع ذلك، أما الدول المتخلفة فهي بطبيعة الحال أقل أخذا بوسائل الحياة المادية، وأن يكون في وسع كل قارئ، الحصول على شيء مفيد يقرؤه بأقل ثمن ممكن.

وفي بلاد المغرب توجد مجموعة لا بأس بها من المثقفين والمتنورين الذين لا يكادون يقرؤون شيئا أصلا، حتى الصحف اليومية التي تمكنهم على الأقل من معرفة تطورات الأحوال في بلدهم مهما كان من اتجاه أصحابها. ولا يمكن الشك في أن أزمة القراء تستفحل في الدول الراقية التي بدأت تستخدم الوسائل السمعية إلى جانب الوسائل البصرية، فالطالب أو التلميذ الذي يكتفي بأن يصغي بأذنيه إلى درس بواسطة مسجلة ليهضمه بالتكرار ستتربى له مع الزمن حاسة السمع التي يمكن أن تحل بنسبة كبيرة محل حاسة البصر بقطع النظر عما سيكون لذلك من تأثير على الفكر. وقد لا يكون بعيدا ذلك اليوم الذي يسجل فيه الكاتب مؤلفا بكامله في شريط يباع ويستغل عوض الكتاب نفسه.

ولكن القارئ المغربي سيقطع سنوات وربما عقودا عديدة قبل أن يبلغ إلى هذه المرحلة من تعويض السمع بنسبة كبيرة مكان البصر والفكر (المجهد).

والواقع أن أزمة القراء في المغرب ترجع إلى سلسلة من العوامل التي تشكل حلقات متشابكة. وأقل ما يقال عنها أنها ترتبط بأزمة قلة التشجيع. ثم أن أبناءنا لا يربون على القراءة منذ الصبا فمعظم المدرسين يكتفون بإلقاء دروسهم بواسطة السبورة في المرحلة الابتدائية. ومعظم الكتب المقررة لا تصلح من حيث الإخراج والطبع وأحيانا من حيث التأليف، وما صلح منها يستعمله المعلم وحده غالبا عوض التلاميذ. وآباء هؤلاء لا يأبهون بتكوين خزائن لأطفالهم حسب الطاقة، حتى ينشئوا ولهم ولع بالقراءة التي هي أحسن تغذية للفكر. أضف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الكتاب التي تعجز أغلبية الآباء عن شرائه لأبنائهم.

وأهم فئة لدينا من حيث العدد هم أولئك الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين سن المراهقة وسن الزواج، وفي هذه المرحلة الخطيرة من عمر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٨٠