تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يتناول جوهر الموضوع لإعطاء إيضاحات تتعلق بموقفه من هذا الأدب الذي هو أحد رواده، وإنما كان هذا الرد استعراضا لأفكار تنم عن عاطفة سياسية، ومع ذلك فلو كانت عواطف الكاتب السياسية أصيلة لكان في الإمكان تقديرها واحترامها، ولعل الإنصاف يقتضي منا اقتطاف بعض الفقرات من كلمة السيد الشرايبي، لتثبيت ما نقوله من عدم أصالة ما يقول: « ... خلال فترة السيادة الفرنسية على مجموع المغرب كانت المدارس الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي المدارس الفرنسية، ولا يعني هذا أننا حين حققنا استقلالنا يتعين علينا أن ننفي هذه الحقيقة .. ولا أستطيع القول بأنه يوجد قراء في العربية .. العربية الفصحى، وقد قمت أخيرا بزيارة للمغرب وشاهدت بعيني .. بنظارتي، وسألت ماذا يقرأ الناس هنا؟ حقا هناك جامعة ولكنها تستعمل الكتب الفرنسية، وهذه الجامعة لا تمثل شيئا مجديا في حد ذاته»، وأضاف السيد الشرايبي قوله «نحن - يعني الناطقين بالفرنسية- سنظل هدفا لهجمات من هنا وهناك، من كل ضفتي الأبيض المتوسط».

وبجانب هذه الروح المتميعة في إطار أجنبي غريب نجد روحا أخرى تختلف عنها كل الاختلاف وأن تغذتا معا في معين واحد، هذه الروح الحيرى القلقة الأصيلة في ذات الوقت تتمثل في الكاتب مالك حداد، لندعه يتحدث إلينا في قصيدته (المسير الطويل) (2):

أبي .. يأبي؟

لماذا حرمتني

تلك الموسيقى المنسوجة من لحمي ودمي

انظر إلى

إلى ابنك الذي يلقن أن يقول في لغة غريبة

تلك الكلمات الحلوة التي كان يعرفها عندما كان راعيا

***

يا إلهي ما أشد وطأة الظلام في عيني هذه الليلة

أماه .. يأماه

هل يمكن أن يكون إسمك Ma mère

لقد فقدت برنسي، وبندقيتي، وقلمي

لقد حملت إسما أشد زيفا من مظهري

يا إلهي،

أنا الذي يجعل من أصله .. من نسبه مهنة زرية

هذه زفرات مالك حداد تثير بعمق فيه حرارة وفيه ألم وفيه أقرار بواقع الزيف الذي فرض عليه فرضا، وليس لي من سبيل لإجابة الشرايبي إدريس سوى أن أعرض عليه هذه المقطوعة الشعرية، لشاعر موهوب عيبه الوحيد أنه نطق بالفرنسية بآيات إبداع، شاعر لا يستطيع الشرايبي أن يصفه بالتعصب أو الغرور الزائف، ولا بضيق الأفق والعجز دون فهم الحضارة الغربية (الفرنسية)، هذا الشاعر مالك حداد الناطق بالفرنسية رغما عنه، ومع ذلك فهو لا يزال يعي وجوده، ويعي بعمق حالة المنفى التي يعيشها فكريا، ولا تكاد تخلو قصيدة أو قصة له من التشكي من هذا المنفى، أي اللغة الفرنسية (وسيلته الوحيدة في التعبير) .. (عن آلام شعبه وإحساساته الثورية)، يشعر مالك حداد بمدى الهوة السحيقة التي تفصله عن مجتمعه، وعن الاتصال بتراثه القومي بطريق مباشر، وعن التأثير فيه والتأثر به، وعن طريق هذا التكوين الثقافي المفروض استحال حداد إلى كائن غريب، يعيش غريبا عن الواقع القومي الجزائري الثقافي الأصيل، ومع ذلك فإن هذا الواقع الجزائري العربي يتملك إحساسه وشعوره إلى حد يستحيل معه إلى متصوف غارق في التصوف غارق في الهيام به، وإيثاره إلى حد الإسراف.

والحق أن غرباء اللغة العربية هؤلاء ليسوا مسؤولين شخصيا عن هذا الزيف الذي يدثر هياكلهم من رأسها إلى أخمص قدميها، ولكن المسؤول أولا وأخيرا هو واقع الاحتلال، والذي لا يجدر بالسيد الشرايبي وغيره تبريره واتخاذ أنفسهم أصداء له، أصداء لهذا الزيف الزائف، وأنا على يقين من أن ثورة مالك حداد على هذا الزيف الذي دفعوا إليه دفعا وحملتهم عليه الظروف حملا، أن هذه الثورة تعد في واقع الأمر نصرا للإحساس القومي، والكرامة القومية، ونصرا مرة أخرى للوجود الوطني ضد جرائم الهدم والتخريب للكيان العربي، هذه الجرائم التي تزخر بها بعض مظاهر هذه الثقافة الأجنبية الموجهة المسبوقة، والتي لا تستهدف الثقافة لذات الثقافة وإنما تستهدف المسخ لذات المسخ، حتى أنه يخيل إلى من خلال كلمة الأستاذ الشرايبي في مجلة ( Confluent) أنه يؤمن أو أنه ربما على الأقل مقتنع بأن كل شيء ليس بفرنسي فهو ليس بجدير

2 مجلة الأدب العدد 8 - غشت 1961.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٧٨