ومما لا شك فيه أن الحوادث الاجتماعية معقدة إلى درجة أنه يصعب وضع الحدود بين مختلف العلوم الإنسانية فعلم التاريخ متداخل مع علم الاجتماع وليس من السهل أن نضع الحدود التي ينتهي إليها كل منهما، وابن خلدون حينما يتحدث عن (العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) حينما يفعل ذلك يتحدث عن مواضيع هي من صميم التاريخ ولكنه يمزج هذه المواضيع بملاحظات تحمل الطابع الاجتماعي.
ولا شك أنه تحدث عن «العمران» ولكن هل يقصد بالعمران علم الاجتماع؟ لقد أشار أيضا إلى علم مستقل بنفسه، وذي موضوع هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذي مسائل هي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال الذاتية واحدة بعد الأخرى، وقال بأنه لم يسبق إلى هذا العلم من طرف أي إنسان (ولم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة)
ولكن ابن خلدون يقول في مكان آخر من المقدمة: (أنشانا في التاريخ كتابا رفعت به عن أحوال الناشئة حجابا) ولنا أن نتساءل بعد هذا عما إذا كان ابن خلدون يتحدث عن التاريخ أو عن علم الاجتماع (العمران على حد تعبيره).
إن الذي يبدو، بعد الاطلاع على المقدمة، هو أن طريقة ابن خلدون في البحث هي أقرب ما تكون إلى طريقة المؤرخ، وقد ذكر خلال أبحاثه بعض الشؤون الاجتماعية ولكن الطابع التاريخي يسيطر على الكتاب في جملته، ولا يخفى على أحد.
وقد تحدث الفلاسفة اليونان عن الشؤون الاجتماعية، ولكن لم يفكر أحد في أن يعتبرهم مؤسسين لعلم الاجتماع، ألم يبحث أفلاطون في كتابه (الجمهورية) عن أصل الحكومة التي تنشأ عن عجز الإنسان عن كفاية نفسه بنفسه، ألم يتحدث أيضا عن نظام الطبقات الاجتماعية؟ الم يشبه أرسطو المجتمع بكائن يولد وينمو ويموت، كما فعل ذلك ابن خلدون نفسه، وريني فورمس فيما بعد؟.
لقد ذكرت الحوادث الاجتماعية في الأبحاث السابقة عرضا ولم تكن مقصودة. أما أوغست كونت فقد ورث تراثا علميا زاهرا، وتبنى الفكر النقدي الذي وضعه ديكارت، واستفاد من نظريات مفكرين كبار أمثال فيكو، وسان سيمون، وابن خلدون نفسه، ولا شك أن هذه العلوم التي استفاد منها كانت له بمثابة الأساس الذي بني عليه فلسفته الإيجابية، ومما هو جدير بالذكر أن أوغست كونت هو أول من ابتكر كلمة سوسيولوجيا أي علم الاجتماع، وأشتقها من لفظين أحدهما لاتيني ومعناه الاجتماع والثاني يوناني ومعناه العلم، وكان في البداية يستعمل تعبير الفيزياء الاجتماعية، والنتيجة الطبيعية التي ينبغي أن ينتهي إليها الباحث هي أن كثيرا من العلماء قد ساهموا في تأسيس علم الاجتماع وأن ابن خلدون قد وضع اللبنات الأولى لعلم كان يسميه تارة العمران، وتارة أخرى التاريخ، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن ابن خلدون إنما أنشأ فلسفة التاريخ، ويكفي أن نذكر رأي المؤرخ الانجليزي توينبي Toynbee : ( لقد أنشأ ابن خلدون فلسفة تاريخ وهي - بدون شك- أعظم عمل أبدعه فكر في أي زمان ومكان)، ونضيف بأن فلسفة أوغست كونت كانت تتويجا لجهود العلماء الذين ساهموا في تأسيس هذا العلم.