لتعد في طليعة الأبحاث التي ركزت دعائم علم الاجتماع والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو التالي: إذا كان العلماء قد بحثوا الشؤون الاجتماعية منذ زمن طويل فإلى أي عهد من عهود التاريخ يمكن أن نرجع تأسيس علم الاجتماع؟ ومن هو من العلماء مؤسس علم الاجتماع؟.
لقد اختلف الكتاب في هذه القضية اختلافا كبيرا، فيرى الدكتور اليافي (1) أن الفضل في التأسيس يرجع إلى ابن خلدون، بينما يرى الدكتور منير (2) مشابك أن المؤسس الحقيقي إنما هو أوغست كونت.
إن مثل هذه الآراء تقتضي منا أن نتفحص عن قرب وأن نتساءل: إلى أي حد ساهم ابن خلدون في الأبحاث الاجتماعية؟ ما نصيب آرائه من «فكرة الدقة» كما يقول ديكارت؟ ألا يمكن لنا في نهاية المطاف، أن نقول بأن أفكاره كانت أقرب إلى فلسفة التاريخ منها إلى علم الاجتماع؟
اشتهر ابن خلدون بمقدمته، وقد رأى الدكتور اليافي أن هذه المقدمة تحتوي على آراء تؤهل صاحبها لأن يكون أول مؤسس لعلم الاجتماع، ولا أحد ينكر اليوم بأن ابن خلدون قد تحدث في كتابه عن أمور وقضايا هي من صميم علم الاجتماع، فهو يرى: ضرورة الاجتماع الإنساني وبالتالي ضرورة السلطة التي تنظم العلاقات بين الناس، ويبحث عن أصل هذه السلطة فيجدها في العصبية، وينتقد الفلاسفة الذين يرجعونها إلى أصل ديني. ويبحث في اختلاف الأقاليم في الاعتدال والانحراف، وتأثير الهواء في ألوان البشر، وفي أخلاقهم وفي الكثير من أحوالهم.
ويجد أن للمجتمع شكلين: البدو والحضر، ويرى أن الأول أصل للثاني، ويبحث في تطور الدولة ويجد أن لها أعمارا طبيعية تتبع نفسيات الأجيال، ويعقد فصلا في أن (الدولة لها أعمار طبيعة كالأشخاص، وعمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال)، أما الأستاذ ساطع الحصري فيجد في دراسته لابن خلدون بذورا للنظريات الاجتماعية الحديثة، وذلك أن ابن خلدون يعتمد بعض التشبيهات لتوضيح بعض الظواهر الاجتماعية، وفي مكان آخر يمثل المجتمع بكائن حي على غرار ما فعل سبنسر Spancer وفورمس R.worms وكثيرا ما يلجأ إلى الاعتبارات النفسية في أبحاثه فهو مثلا يقول بأن المغلوب مولع دائما بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. ويعلل ذلك بأن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها.
ويعلل ابن خلدون الأمور الاجتماعية بأمور مثلها، مما يذكرنا بتعليل دوركايم Durheim المورفولوجي.
ويقول ابن خلدون أيضا: إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش، وفي هذا نزوع إلى تعليل الحوادث الاجتماعية بالعوامل الاقتصادية، كما نجد عند ابن خلدون نظرات ثاقبة في القضايا الديموغرافية، فهو يستبعد أن يكون عدد جيوش إسرائيل في التيه، أيام النبي موسى عليه السلام، أقول يستبعد أن يكون عددها ستمائة ألف جندي كما روى ذلك بعض المؤرخين.
وبحث في الأسعار فوجد أن السلع ترخص في البلاد الكثيرة السكان على حين ترتفع أسعار الحاجات الكمالية، وفي هذا إشارة إلى قانون العرض والطلب.
وكذلك انتبه إلى تسلسل الكائنات، واتصال عالم الجماد بعالم النبات، وعالم النبات بعالم الحيوان ووحد أن الإنسان يقع في ذروة عالم الحيوان بعد القردة.
وأخيرا حاول ابن خلدون أن يصنف علوم عصره تصنيفا علميا فوجدها صنفين: صنف طبيعي يهتدي إليه الإنسان بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه (3) ولقد دعت الأفكار السابقة الدكتور اليافي إلى أن يقول: (وصفوة القول أن ابن خلدون قد أسس علم الاجتماع واعيا لهذا التأسيس).
1 الدكتور عبد الكريم اليافي أستاذ علم الاجتماع بجامعة دمشق، انظر كتابه تمهيد إلى علم الاجتماع.
2 الدكتور منير مشابك أستاذ علم الاجتماع بجامعة دمشق، انظر كتابه (المطول في علم الاجتماع).
3 راجع تمهيد إلى علم الاجتماع: الدكتور عبد الكريم اليافي.