دعوة الحق، س.5، ع3 /نونبر 1961 .................... ص 38
علم الاجتماع بين ابن خلدون و أوغست كونت
للأستاذ: بنعيسى حنفي
من هو مؤسس علم الاجتماع؟
قد يكون من المفيد، قبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال، أن نتفق على بعض من المبادئ الأساسية التي من شأنها أن تلقي بعض الأضواء على البحث، ومن جملة هذه المبادئ، ينبغي أن نتفق منذ البداية على معنى التأسيس.
يقول أحد أساتذة علم النفس التكنيكي في تعريف العلم: إن النظرية وحدها ليست هي العلم، كما أن التطبيق وحده ليس هو العلم، إن العلم الصحيح هو ما تركب من النظري والعملي، وذلك أنه لا فائدة من النظرية التي لا يمكن أن تتحقق عمليا، ومن جهة أخرى فإن التجربة العملية لا تستغني عن النظرية التي توجهها (1).
وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة للعلوم التكنيكية فإنه صحيح أيضا بالنسبة لعلم الاجتماع، ويبدو لنا أن العالم الذي يقف من المجتمع موقف المتفرج ويكتفي بدراسته نظريا، إن مثل هذا العلم لا يستحق لقب العالم الاجتماعي، ومن قبيل المستحيل أن تكون الدراسة التي يقوم بها علمية، فيجب علينا أن نبحث عن الصفات التي ينبغي أن تتوفر في هذه الدراسة حتى يقال عنها إنها علمية، وبعبارة أخرى يجب علينا أن نحدد طريقة البحث في علم الاجتماع.
لا شك أن العقلية الديكارتية l'esprit cartésien قد أثرت تأثيرا بعيدا المدى في طرق البحث، وأبرز ما في هذه العقلية الديكارتية هو «فكر الدقة» الذي شرحه ديكارت في كتابه «قواعد المنهج».
ونحن نعتقد أن الفلسفة الإيجابية التي بشر بها أوغست كومت Augusto Comte كانت تتمة وتتويجا لهذا التفكير المنهجي الذي استطاع أخيرا أن يتخلص من تلمسات التفكير الميتافيزيائي العشوائية، ومن خرافات القرون الوسطى.
لنتصور بأن موضوع علم الاجتماع هو بمثابة أرض مجهولة Terra incognito ، فمهمة العالم هي اكتشاف هذه الأرض وإزاحة الستار عن أسرارها، ولكن هذا الاكتشاف ينبغي أن يتم بعناية ودقة، وعلينا أن نتذكر دوما بأن الحوادث الاجتماعية شديدة التعقيد، وغني عن الذكر أن التأملات الباطلة والأفكار المسبقة، والاستنتاجات الشخصية لا يمكن أن تؤدي إلى معرفة صريحة للواقع الاجتماعي، ونعود مرة ثانية لنؤكد بأن النظري يجب أن يتعاون مع العملي حتى يكون فهمنا للحوادث الاجتماعية أقرب ما يكون من الصحة.
تأسيس علم الاجتماع إذن معناه وضع الأسس القوية العلمية له، وتمييزه عن سائر العلوم الأخرى، وتحديد مجال تحرياته، ووضع طرق للبحث فيه، وكل ذلك يجب أن يتم بدقة وعناية.
ولا شك أن العلماء قد تحدثوا عن الشؤون الاجتماعية منذ زمن طويل، فقد تحدث سقراط وأفلاطون وأرسطو عن هذه الشؤون، وكان في آرائهم كثير من العمق وغير قليل من الدقة، كما أن العلماء المسلمين لم يقصروا في هذا الجانب، بل إن مباحثهم
1 راجع A. Cuvillier: Introduction à la sociologie. Page 89