ابن ضابط هذا متكسبا بالشعر إلا أنه لم يصب نجحا، يروى (1) أنه ضجر يوما فقال:
«الشعر خطة خسف».
وكان ابن عبدون جالسا بين يديه، فكتب في لوحة يكمل المصراع الثاني من البيت: «لكل طالب عرف».
ثم زاد بيتا آخر كتبه وهو:
للشيخ عيبة عيب وللفتى ظرف ظرف
قال ابن عبدون: أنه لما كتب هذا نظر إليه مؤدبه أبو الوليد وقال له: يا عبد المجيد ماذا تكتب؟ فأراه البيتين فلما رآهما لطمه وعرك اذنه وقال له: لا تشتغل بهذا، ثم أخذ البيتين عنده، وإنما نهاه عن قول الشعر لأنه هو شخصيا كان شيخا مسنا يستجدي بالشعر وقد أدى به إخفاقه في التكسب إلى كراهية الشعر.
وليس من شك في أن هذا الشعر يدل على الموهبة التي كان يتمتع بها ابن عبدون منذ حداثته واستعداده لقول الشعر بفطرته، كما يدل على حدة ذكائه وروحه الساخرة التي جعلته يغمز أستاذه ويعرض به مشيرا إلى تكسبه وهو الأمر الذي جعل أستاذه يلطمه ويعرك اذنه.
على أن ابن عبدون ما لبث أن ضاق ذرعا بأستاذه هذا وأحس بأنه في حاجة إلى أن يلتمس أساتذة آخرين أوسع آفاقا وأغزر مادة في الأدب واللغة وأكثر تسامحا من ابن ضابط، فاتصل بأبي مروان بن سراج، وكان أبو مروان هذا من أعيان (2) البيان، بليغا فصيحا ذا مرتبة سامية في الأدب كما كان شاعرا مجيدا ولكنه كان ضيق الطبع سريع الغضب ومن ثم لم يلازمه ابن عبدون طويلا مع حرصه على الإفادة منه، ولذا سرعان ما نجده يبحث له عن أستاذ غيره يشبع لديه رغبته في الاستزادة من العلم والمعرفة، ولكنه في هذه المرة لم يظفر بطلبته في بلده يابرة، فيهم وجهه شطر بطليوس حيث التقى هناك بأبي الحجاج يوسف ابن سليمان النحوي الأديب المعروف بالأعلم، وكان أبو الحجاج هذا عالما (3) بالعربية واللغة ومعاني الأشعار حافظا لها حسن الضبط لما يحفظ، دقيق الرواية كثير الاعتناء بها مشهورا بذلك، ولقد اتصلت أسباب ابن عبدون بأبي الحجاج هذا وأعجب كل منهما بالآخر، الأستاذ بتلميذه والتلميذ بأستاذه، وقامت بينهما روابط من الود المتبادل فأفاد ابن عبدون من أستاذه كثيرا وأخذ عنه كثيرا من مسائل اللغة والنحو ومعاني الشعر كما درس عليه شعر المتنبي بوجه خاص وهو الأمر الذي كان له بعد في حياة ابن عبدون وشعره اكبر الأثر، على أن ابن عبدون ما لبث أن هجر أستاذه هذا على غير قلي وذهب فاتصل بأبي عاصم بن أيوب حيث روى عنه الحديث والفقه واللغة كذلك، وكان ابن عبدون إذ ذاك قد أحس بمكانته في الأدب وبمنزلته في الشعر فابتدأت نفسه تتطلع إلى مستقبل أحسن وإلى حياة أكرم، ولذلك نراه يضيق ذرعا ببلدته يابرة التي كان قد رجع إليها، ويرى من العار بقاءه فيها فنسمعه يقول:
فعادا على العلياء سكناي بلدة
كبلدة عالي الأفق من دون أنجم
ثم يتصل بالمنصور بن الأفطس فيمدحه ولكن سوقه لم تنفق لديه، فيقرر الهجرة إلى اشبيلية.
- يتبع-
1 المقري: نفح الطيب ج4 ص367
2 ابن خاقان: قلائد العقيان ص198
3 السيوطي: بفية الوعاة ص422