خلف بن شعيب وعن أبي بكر محمد بن الفرج البطليوسي وعن أبي بكر بن عباس وعبد الله بن طلحة وغيرهم.
وهكذا كانت يابرة تزخر بالعلماء والأدباء فولد إبن عبدون ثم نشأ في جو أدبي علمي يحيط به، وقد كان لهذا الجو أثره في تكوينه الثقافي.
لم نقع على مصدر واحد من بين المصادر العربية أو غيرهما ذكر لنا تاريخ مولد إبن عبدون، ولعل إبن عبدون ليس وحده الذي يجهل تاريخ مولده، بل هناك شخصيات أندلسية كثير من معاصريه لا يعرف عن تاريخ مولدهم شيء، إذ لم تكن العناية بتسجيل تاريخ الميلاد في كثير من الحالات من الأمور الهامة، بل كانوا يعنون بذكر تاريخ الوفاة أكثر من عنايتهم بذكر تاريخ الميلاد، ونحن وإن كنا لم نتعرف على تاريخ مولده بالضبط، ولكنا سنستطيع مما توافر لدينا من وسائل البحث أن نشير إلى ذلك التاريخ إشارة تقريبية. نستطيع أن نقرر بأن أبن عبدون قد ولد سنة 430هـ أو قبل ذلك بقليل مستندين في ذلك إلى أمرين:
أحدهما ما أورده الضبي (1) حيث يقول «إبن عبدون اليابري أديب شاعر كان في حدود الأربعمائة أو نحوها». وثانيهما ما ذكره إبن بسام (2) من أن ابن عبدون حينما استوحش من المنصور بن الاقطس ولحق باشبيلية قد كتب إلى إبن زيدون بهذه الأبيات:
لك الخير من مثري اليدين من العلى
إذا تربت أيدي الندى والتطول
بما كان بين الماضيين من الذي
إليه اجتهادي أو إليه معولي
فلم تتمسك بالمؤيد لي يد
وقد زلقت رجلي عن المتوكل
ولسنا نستطيع أن نجاري الضبي فيما أشار إليه من أن إبن عبدون قد ولد مثلا سنة 400 أو سنة 410 لأنه من الثابت في جميع المصادر العربية وغيرها أن وفاة إبن عبدون كانت في منتصف العقد الثالث من القرن السادس الهجري أو أخرياته ونعني سنة 526 أو 529، وطبقا لما ذهب إليه الضبي يكون إبن عبدون قد عاش مائة وعشرين سنة تقريبا وهو أمر يعتبر قليل الاحتمال إذا قسناه بالنسبة إلى معاصري إبن عبدون.
ولا شك أن تلك الأبيات التي بعث بها ابن عبدون إلى ابن زيدون كانت فيما بين سنة 441 و460، إذ أن الثابت أن ابن زيدون قد افلت من السجن الذي وضعه فيه ابن جهور سنة 441 حيث لحق بإشبيلية واتصل ببلاط بني عباد، ومن الثابت كذلك أن المنصور ابن الأفطس قد توفي سنة 460 كما كانت وفاة ابن زيدون سنة 462 ولنا أن نتصور بأن ابن عبدون عند ما بعث بالأبيات المتقدمة إلى ابن زيدون كان في الثلاثين من عمرته تقريبا، في وقت كانت فيه فكرته قد انحصرت في الأدب الأمر الذي جعله يطلب عملا في بلاط بني عباد، وإلى جوار ابن زيدون وهو يعلم منزلة هذا في الأدب والشعر، كما يعلم بأن المعتمد الذي يطلب العمل في بلاطه هو نفسه شاعر رقيق الإحساس مرهف الشعور وناقد بصير، وأيا ما كان الأمر فقد تحققت لابن عبدون بغيته وعاش في بلاط المعتمد فترة لم تطل مدحه فيها بكثير من القصائد التي سنوردها بعد في مكانها من هذا البحث، ولكن سوقه لم تنفق مما جعله يترك اشبيلية ويلحق بصديقه القديم المتوكل ابن الأفطس، ولم يثبت لدينا بأن إبن عبدون ولي عملا رسميا للمعتمد بن عباد، وإن كان عبد الواحد (3) قد ذكر بأن ابن عبدون كان من بين كتاب المعتمد، ولكنا لم نجد ذكر ذلك في مصدر آخر من المصادر التي تحدث عن ابن عبدون، كما أنا لم نعثر على رسالة واحدة مما كتبه ابن عبدون عن المعتمد.
لقد إبتدأ إبن عبدون دراسته الأولى في بلده يابرة حيث حفظ القرءان الكريم ودرس مبادئ النحو واللغة، وكان أستاذه إذ ذاك (4) محمد بن علي ابن يعيش المعروف بأبي الوليد بن ضابط النحوي، بدأ ابن عبدون يدرس على أبي الوليد هذا وهو في الثالثة عشرة من عمره حيث تفتحت مواهبه للأدب وبدأ يعالج قول الشعر، ونحسب أن تأثره بأستاذه هو الذي غرس في نفسه الميل إلى الشعر، فقد كان
1 بقية الملتمس ص 523.
2 القسم الثاني من الذخيرة مخطوط جامعة القاهرة ورقة رقم 438.
3 عبد الواحد المراكشي: المعجب ص 164.
4 التكملة لكتاب الصلة ج 1 ص 141.