تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عصر النهضة 1220هـ:

لا نعيش اللغات إلا بأحياء ذويها، ونحن نرى أن اللغة العربية قد ضعفت لما استولى التركيون على الحكم في الشرق وكذلك لما عمل الاسبانيون على إرجاع الاندلس من المسلمين، وأما في المغرب فقد ضعفت أيضا نظرا لان الاتجاه العملي في المغرب حينذاك إنما كان يقوم على رد كل عدوان سواء عن طريق الغرب أو الشرق، وبقي المغرب محافظا على عروبته ولم يستطيع العثمانيون الأتراك أن يحتلوه رغم ما كانوا يقومون به من مناورات، ومن يدرس تاريخ الدولة السعدية يعرف ما كان يقوم به المغرب من الأعمال لحفظ حريته وعروبته سواء من غزو البرتغاليين والاسبانيين أو من جشع التركيين.

ولكن لا نستطيع أن نتغافل عن الوعي العربي الذي انتشر في الأمم العربية في أوائل القرن الماضي وعن التفكير الذي أصبح يسود العرب لرد مجدهم وقد انتبهوا لذلك يوم عزا نابليون بونابرت مصر فادخل المطبعة إليها وفتح المدارس ونظم المصانع، فلما أخرجه المصريون واستولى محمد علي على الحكم أراد أن يأخذ النظم الاوربية وأن يجعلها أساسا لدولته، لذلك رأى أنه لا يمكن أن ينجح إلا إذا عمل على أحياء اللغة العربية وعلى ترجمة العلوم من اللغات الاوربية وبذلك ابتدأت الحركة العلمية من جديد وأصبحنا نأخذ ما كنا قد أعطيناه وأرسل البعثات إلى أوربا، كما قامت جامعة الازهر في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، وجامعة القرويين بفاس بأعظم الأثر في حفظ اللغة خصوصا عندما أصبح الاوربيون عازمين على غزو هذا الوعي العربي متفقين على تجزئة العرب واحتلالهم والقضاء على معنوياتهم واستغلال أرضهم وعقولهم، فاستعمرا أرضنا واستعمروا أرواحنا بما كانوا ينفثونه من أفكار فتاكة تقضي على تراثنا وتنسينا تاريخنا، وعملوا جهد مستطاعهم على أمانة لغتنا ونعتوها باللغة الميتة ولكننا حينما شعرنا بأن اللغة لا تموت إلا إذا مات أهلها، قام العرب في كل أنحاء العالم يعملون على تهذيب لغتهم واجتهدوا في تطعيمها وتقليمها حتى تصبح صالحة للتقدم العلمي الجديد وقامت حركة مبكرة في القرن الماضي وما زالت تؤتي أكلها إلى الآن.

ابتدأت حركة النقل في عصر النهضة بمدرسة الترجمة التي كان يرأسها في مصر الاستاذ رفاعة الطهطاوي وهو الاستاذ الفذ الذي اخذ ثقافته في جامعة الازهر، ثم أرسل إماما لبعثة علمية إلى فرنسا فاستهوته اللغة الفرنسية فدرسها، ولما رجع إلى مصر أصبح مدير مدرسة ابي زعبل للترجمة وكانت تضم مائتين وخمسين تلميذا من بينهم علي مبارك الذي اختص في الهندسة وعمل على نقل كثير من الكتب العلمية من اللغات الاجنبية، وهو الذي أعطى الأمر لما كان وزير التعليم بمصر على نقل جل الكتب التي تعترف للعرب بقيمتهم ومنها كتاب خلاصة تاريخ العرب لسيديو الذي أخذنا بعض فقراته حين التكلم على اللغة العربية أيام العباسيين، ومن أعماله العظيمة انشاء دار الكتب، وإنشاء مدرسة دار العلوم وفق فيها بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث، توفي سنة 1311هـ.

ومن الله على اللغة العربية حين بعث في القرن الماضي الإمام محمد عبده فأحياها من الاندثار وعهد إليه بتدريسها في دار العلوم، فكان خير أستاذ استطاع أن يدل التلاميذ على مكنون اللغة وجواهرها وعلى قدرتها على التعبير عن جل المعاني، إلا انه لاحظ أن بعض الكتب التي ترجمت فيها نوع من الركاكة الحديثة، لذلك اتفق مع بعض أصدقائه على إيجاد مجمع لغوي يحددون فيه الكلمات العربية المناسبة لتلك المصطلحات، ولكن هذا العمل لم يتم نظرا لكثرة الحوادث السياسية التي كانت تحيط بالدولة المصرية والتي شغلت هؤلاء العلماء، ولكن الفكرة لم يقض عليها بل استمرت في النفوس إلى أن وجدت من الاستاذ محمد كرد علي رحمة الله رجلا قوي العزيمة والإيمان فاتفق مع جماعة من أصدقائه وأسسوا المجمع اللغوي العربي سنة 1920 بدمشق، وسار على نهجه مجمع آخر تأسس بالقاهرة سنة 1934، ولقد عمل هذان المجمعان ما في استطاعتهما لنقل كثير من المصطلحات العلمية، وتأسست بعض المجامع في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٩