تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقتدوا بهم، وأن يطلعوا على علومهم، وأن يترجموا كتبهم، وأصبحوا يؤمون الجامعات العربية ليتعلموا وتوجه الفرنسيون ومن جاورهم إلى طليطلة وقرطبة وفاس وغصت جامعة القرويين بالوفود من كل ناحية.

ولقد اشتهرت هاته الجامعات بالمحافظة على اللغة العربية وعلى الثقافة الإسلامية وعلى نشر العلوم العامة فكانت هي الواسطة بين حضارة اليونان القديمة وحضارة أوربا الحديثة.

ولم تصل حضارة العرب إلى اوربا عن طريق الثقافة، بل وصلت كذلك عن طريق الفتح العربي، فالعرب كانوا قد وصلوا إلى اسبانيا واحتلوا صقلية وغزوا فرنسا ووقعت جل مدنها الجنوبية في قبضتهم، فاحتلوا بروفانس وبوردو ومرسيليا وأرنو ووصلوا إلى بواتييه، ولا شك أن هذا الاحتلال اثر على الحضارة الاوربية وعلى لغتها ودخلت عدد من الكلمات العربية إلى لغتهم فنجد مثلا لفظة damasquiner بمعنى رصع أي خلط النحاس ببعض الخطوط الذهبية أو الفضة وذلك بارجاعها إلى تلك الصنعة الفنية التي اشتهرت بها دمشق، ونجد أيضا كثيرا من الكلمات الداخيلة في لغتهم كلفظة eoton قطن magazins مخازن، ولفظة ehemise قميص، ولفظة ehéque مسك، وغير ذلك كثير.

ولم يقتصر العرب في الاندلس والمغرب على الاطلاع على العلوم الرياضية فقط، بل اشتهروا بعلم الجغرافية والتاريخ والرحالات ومن أشهرهم الإدريسي السبتي 1166م (560هـ) الذي ذهب إلى صقيلة وأتصل بملكها روجر الثاني فألف له كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق في شرح الكرة الأرضية الفضية التي رسمها الشريف الإدريسي باللغة العربية، ورسم في هذا الكتاب إحدى وسبعين خريطة تناقلها الاوربيون وترجموها إلى لغتهم.

وإننا بعد هاته النظرة نجد أن العرب إذا كانوا عملوا ما في جهدهم ليكونوا سادة العالم وإن كانوا قد جعلوا من لغتهم لغة تتسع لجميع العلوم والآداب فإنهم أيضا استطاعوا أن يدخلوا إلى أروبا الكتابة الموسيقية فإن ما خلفه زرياب الموسيقى في أصول الموسيقى الاسبانية ليعد دليلا على ما كان للعرب من مجد وحضارة.

يقول عمر الدسوقي في أحد أعداد مجلة الامالي «فالموسيقى يدين بها الاوربيون للعرب إذ أن آلاتها عربية، فالقيثارة والعود والرباب كل ذلك من اختراع العرب وليس هذا عجيب بل أن النوطة الموسيقية التي اخترعها الخليل بن أحمد، وزاد عليها الفارابي والكندي وابن سينا مع ما عرفوه من الموسيقى اليونانية، قد أثرت أثرا كبيرا في الموسيقى الاوربية إذ لم تكن اوربا قبل العرب تعرف العزف الجمعي (اوركسترا) إلى أن دخلت الكتابة الموسيقية العربية».

وإننا إذا ما أطلنا في ذكر الحضارة العربية فلأننا نؤمن بأن هاته الحضارة كان للغة العربية أكبر الأثر في تدوينها والعمل على نشرها بدليل الحركة الإستشراقية التي انبثقت من اروبا لتنقل كل ما عندنا إلى الأوربيين وبدليل ما خلفته هاته الحركة من اثر على الاتجاه العلمي في اوربا ما زالت تستغل نتائجه إلى الآن.

اللغة العربية أيام المماليك والعثمانيين إلى سنة 1220 هـ:

في سنة 556هـ (1258م) انقض التتار على بغداد وخربوها واحرقوا عددا كبيرا من الكتب العربية وقتلوا المستعصم آخر الملوك العباسيين، وضعف بذلك شأن اللغة العربية، إلا أن الدولة في مصر كانت بيد المماليك ولم تكن لهم لغة خاصة يقاومون بها اللغة العربية لذلك بقيت بعض الحركات العلمية باللغة العربية في مصر والشام والمغرب والأندلس، ومع ذلك الترك على كثير من دول الشرق وجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية في الدولة التابعة لها، وتبع هذا الضعف انحلال في الاتجاه الفكري العربي وفي الأسلوب الأدبي وغلب على التأليف مظاهر من السجع المكلف والاعتناء بالجناس والطباق والمحسنات اللفظية، إلا ما شذ من بعض البلدان حيث ظهر فيها بعض المؤلفين الأفذاذ كابن خلدون بتونس والسيوطي بمصر، ولم يبق اعتناء الشعب باللغة لأنها لم تبق موصلة إلى كراسي الحكم بل ضعف شأن العلم نفسه لان كثيرا من المناصب القضائية أصبحت تورث ولو من أب عالم إلى أبن جاهل وهكذا نعتبر هذا العصر هو عصر الانحطاط اللغوي ولا نطيل فيه الحديث فلننتقل منه إلى عصر النهضة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٨