تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول سيديو Sedillot أحد المؤرخين الفرنسيين المولودين بباريس سنة 1808م في كتاب له إسمه خلاصة تاريخ العرب: «إن العباسيين رتبوا خمسة عشر ألف دينار لمدرسة يتعلم بها مجانا ستة آلاف تلميذا من الفقراء والاغنياء، وانشأوا مراكز للتعليم الحر رخصوا الدخول فيها لمن أراد، فانتشرت اللغة العربية في سائر جهات آسيا حتى تكلموا بها بدلا عن لغتهم، واعتاد المامون ومن اقتدى به بعده حضور الدروس العامة التي يلقيها المدرسون» ويقول أيضا: «إن العباسيين بنوا أرصادا بها آلات عجيبة للاستكشاف الفلكي ومستشفيات يمتحن فيها من أراد أن يوظف عدة امتحانات».

ونحن إذا ما رأينا شهادة هذا المؤرخ الفرنسي فإننا لنعرف ما أدته الدولة العباسية إلى الحضارة العربية من مجد، وقد كان المامون ينفق بسخاء على ترجمة الكتب بحيث كان يعطي نفقة شهرية تعد بخمسمائة دينار في الشهر لكل مترجم، ومما يحكى أن المأمون كان يعطي لحنين مترجميه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللغة العربية مثلا يمثل (*).

ولما نقل العرب هاته العلوم لم يكونوا جامدين بل تصرفوا فيها وشرحوها وحللوها وربطوا بعضها ببعض وبينوا الاسباب لبعض المظاهر الطبيعية كالإنعكاس الضوئي مثلا الذي يتجلى في قوس قزح.

وقد اخترع العرب بلغتهم العربية القواعد الأساسية لعلم الجبر حتى أن هاته الكلمة مأخوذة من اسم كتاب الفه محمد بن موسى الخوارزمي للمامون اسمه «حساب الجبر والمقابلة» وفر المأمون أمره بتأليف كتاب بأسلوب بسيط يبين فيه طريقة المعادلات الجبرية، كما أنهم قد اشتهروا بالطب والفلسفة حتى أن أبا بكر الرازي (864 - 932م) لقب بجالينوس العرب لاعتبار مهارتته في الطب، وقد استطاع أن يشخص مرض الحصبة والجدري والسل، وهو أول من أشار إلى وجود الجراثيم قبل أن يقول باستور ذلك بألف سنة، وألف باللغة العربية كتبا متعدد في ذلك وترجمت فيها بعد إلى اللغة اللاتينية، واشتهر بين العرب أبو نصر محمد الفارابي (260 - 334هـ-873 - 950م) الملقب بالعلم الثاني لأنه سعى إلى التوفيق بين آراء أرسطو وأفلاطون.

ونحن إذا ما تحدثنا عن الحركة العلمية أيام العباسيين وركزنا اتجاهنا في نهضة اللغة العربية من الناحية العلمية دون غيرها لندل على أن لغة العرب لم تكن لغة الأدب فقط، بل هي لغة العلم أيضا، وقد شاهدنا بعد هذا النهوض الموجز أن العرب كانت لهم شخصية قوية في خلق اتجاه علمي جديد كان له أكبر الأثر في توجيه العرب فيما بعد.

اللغة العربية بالمغرب والأندلس:

وإذا كنا رأينا ما حققته اللغة العربية من نصر في الشرق، فيجب أن نعلم أن العرب بالمغرب والأندلس لم يكونوا خاملين، بل إنهم كانوا يعملون جهد مستطاعهم على أن تكون اللغة العربية هي اللغة السائدة فإن عبد الرحمن المامون الداخل إلى الأندلس والملقب بصقر قريش قد أقام دولة بالأندلس تناهض دولة العباسيين، كما أن المولى إدريس قد أسس بالمغرب الاقصى دولة بالاستعانة بالبربر، وكانت اللغة العربية هي اللغة التي يعمل كل من هذين المؤسسين لتكون هي الرسمية في البلاد إلا أن الدولة الاموية بالاندلس كانت لها من القوة ما هو أشد من دولة الادارسة نظرا للعصبية العربية التي كانت قوية بالاندلس، وقد بلغت هذه الدولة أوج مجدها أيام عبد الرحمن الناصر ما بين سنة 300و 350هـ.

وانتشرت اللغة العربية في الاندلس أيام الامويين انتشارا لا مثيل له، حتى قال دوزي في كتاب له أسمه تاريخ مسلمي إسبانيا: «أن إسبانيا المسلمة كادت كلها تقرأ وتكتب على حين أن الطبقة الرفيعة من أوربا المسيحية لم تكن كذلك إذا استثنينا رجال الدين».

وعن طريق الاندلس والمغرب انتقلت حضارة العرب إلى أوربا، وعن طريق العرب عرف الاوربيون إشعاع الحضارة واهتدوا إلى المعرفة وانتقلوا من جهالة القرون الوسطى إلى عصر النهضة، ولولا العرب لتأخرت حضارة أوربا قرونا أخرى، ولقد شعر الاوربيون حينما اتصلوا بالعرب بأنه يجب عليهم أن

(*) عصر المأمون للدكتور احمد فريد الرفاعي ط الرابعة ج 1 ص 377.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٧