تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5. ع3 /نوفمبر 1961 .................... ص 30

اللغة العربية بين الماضي والحاضر

للأستاذ: محمد عبد العزيز الدباغ

- 2 -

اللغة العربية أيام العباسيين:

العصر العباسي منسوب إلى الدولة العباسية التي خلفت الدولة الأموية سنة 132هـ وكان أول ملوكها هو أبو العباس السفاح ولم تكن أيامه أيام إزدهار علمي وإنما كانت لتركيز النظام الجديد عن طريق القوة، وأن لقبه بالسفاح ليدل على ذلك، ثم خلفه أخوه أبو جعفر المنصور، وكان عالما مهتما بالعلماء وبدأت الحركة العلمية في أيامه تبدو ثم كان بعده المهدي ثم الهادي ثم هارون الرشيد وقد بلغ اعتناؤه بالعلم أنه كان لا يسافر إلا ومعه مائة عالم يشاورهم ويهتدي برأيهم، ثم كان الامين، فالمامون وهو الملك السابع من الدولة العباسية وقد ولى الخلافة سنة 218هـ ويعتبر أعظم ملك فيها على الإطلاق.

وقد قررنا مرارا أن اللغة لا تسمو إلا بأصحابها وأنها لا تكتسب القوة إلا عن طريقهم ولذلك نرى أن اللغة العربية أيام مجد العرب لم تجد من وصفها بالجمود والانحلال والتقهقر لان القوة كانت بيد العرب.

وحيث أن العرب كانت لهم في صدر الإسلام وفي العصر الأموي وفي العصر العباسي قوة، كانت لغتها تسرع إلى الشعوب بقوة هائلة، ويتسابق الناس إلى تعلمها لأنهم يعلمون أن الاطلاع عليها سيقربهم من كراسي الحكم وسيجعل لهم عند المسلمين جاها.

ولما تولى المامون الخلافة لم يترك التقدم العملي للمصادفة، بل أسس مدارس خاصة للتعليم واعتنى بالكتب العملية وأسس خزانة عظمى سماها «دار الحكمة» ويقال أن هاته الخزانة كانت تضم جل الكتب التي ألفت باللغات الأجنبية، كاليونانية والفرسية والعبرية والهندية.

ولقد اتصل بملوك الروم فأرسلوا له بعض الكتب وجعل من شروط صلحه مع ميخائيل الثالث ملك البزنطيين أن يرسل إليه بعض الكتب النادرة.

ولم يكن هم المامون هو جمع الكتب، ولكنه كان يرى أن أعظم شيء يمكن أن تثبت به قواعد الدول هو العلم، ورأى أن اللغة العربية كانت تتسع للدراسات الفقهية والأدبية واللغوية، وأن العرب كانوا مشهورين بالشعر والفقه والكلام، ولكنهم كانوا في حاجة إلى الرومانيين في الطب ونحوه، ورأى أن الذين يدرسون هاته المواد من العرب يرجعون فيها إلى ما خلفه اليونانيون، لذلك رأى انه لا يهدا له بال إلا إذا ضمت اللغة العربية كل ذلك فجمع علماء يحسنون اللغة العربية واللغة الأجنبية وخصص فريقا لترجمة الكتب الفارسية وفريقا لترجمة الكتب اليونانية وآخرين لترجمة الكتب العبرية والهندسية وأصبحت اللغة العربية ترحب بهاته العلوم ووسعتها جميعها.

وقد عمل المأمون على ترجمة جل ما ألفه أفلاطون وأرسطو وسقراط وجالينوس وأوكليد (افليدش) من اليونان، وعمل على ترجمة جل ما ألفه الفرس من كتب الأدب والفلسفة كما عمل على نقل ما عند الهنود من الكتب في الحساب والنجوم.

وضم حوله جماعة من المترجمين ينتمي أكثرهم إلى المسيحيين، وأسس مدرسة للترجمة أدت أكبر الخدمات إلى اللغة العربية وإلى العرب أنفسهم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٦