تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأزجال وما إليها وتلحين ما ناسب منها مزاج المغاربة وذوقهم. ومن الأمثلة على ذلك موشحة في مدح الرسول لا زال المغاربة حتى اليوم يتغنون بها في المحافل الدينية منها:

يا محمد يا جوهرة عقدي يا هلال التمام

المحبة قد هيجت وجدي وفناني الغرام

أنت أسكرتني على سكري من لذيذ الشراب

ثم خاطبتني كما تدري ففهمت الخطاب

ثم شاهدت وجهك البذري عند رفع الحجاب

ولم يلبث المغاربة بعد انتشار فن التوشيح أن ابتكروا فنا قريبا منه تحدث عنه إبن خلدون حين قال (ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في اعاريض مزدوجة كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية وسموه عروض البلد وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير فنظم قطعة على طريقة الموشح لم يخرج فيها عن مذاهب الاعراب إلا قليلا فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الاعراب الذي ليس من شأنهم، وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة، والغزل واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها).

وربما كانت قطعة ابن عمير المشار إليها هي التي يقول في مطلعها:

أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمام

على الغصن في البستان قريب الصباح

وكف السحر يمحو مداد الظلام

وماء الندى يجري بثغر الاقاح

وقد يكون ميمون بن خبازة وحسن بن عمر السبتي من الذين برعوا في هذا الفن الذي يغلب على الظن أنه كان وسطا بين الزجل والتواشيح، فقد عرف الأول أنه (كان متفننا في أساليب الكلام معربة وهزله على اختلاف اللغات) وعرف عن الثاني أنه كان يجول في الأسواق وينشد الأغاني والألحان، كذلك من الذين نبغوا في هذا الفن الكفيف الزرهوني الذي وصف هزيمة أبي الحسن المريني في القيروان بقطعة يقول في أولها:

سبحان مالك خواطر الأمر

ونواصيها في كل حين وزمان

ان طعناه عطفهم لنا قسرا

وأن عصيناه عاقب بكل هوان

كن مرعي قل لا تكن راعي

فالراعي عن رعيته مسئول

ولا شك أن هذا الفن الذي تحدث عنه ابن خلدون قد تطور في العصر المريني إلى نوع من الأدب الشعبي شديد القرب من الزجل يعرف حتى اليوم (بالملحون) ويظهر أنه تطور على يد البربر وكان قد تم تعريبهم في هذا العهد.

وقد اعتنى به المغاربة فنظم فيه الأدباء والملوك والأمراء وبرع كثير من الشعراء أهمهم التهامي المضغري الذي كان معاصرا للسلطان عبد الرحمن العلوي والذي كان ولا يزال يعتبر شيخ الملحون في المغرب.

ومن أهم قصائده في هذا الفن (النحلة) التي يقول فيها:

أوحى لك الله في كتاب ولهمك لقطيف الأنوار

وروى أن السلطان أشتاق إلى أبنائه وكان قد بعثهم في عائلته لزيارة أقاربهم وقبور أجدادهم بتافيلالت فقال:

ما أعظم ذاك اليوم فشصد ناسي وامشو

فأجازه المضغري:

تركني نواح فرسيم ضميري كاوي

- يتبع-

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٥