شق جيب الليل عن نحر الصباح أيها الساقون
وبدا للطل في جيد الاقاح لؤلؤ مكنون
ودعانا للذيذ الاصطباح طائر ميمون
وفي آخرها:
نال فعل الخمر من ذات الخمار عند شرب الراح
فغدت تستر من فرط الخمار وجهها الوضاح
خلتها إذ لم تدع بالاختمار غير صلت لاح
قمرا تم لسبع وثمان وفي الليالي ألون
قدرته الشمس في حال القرآن فهو كالعرجون
أما الشام فمن الأسماء التي لمعت فيها سراج الدين عمر بن مسعود الحلبي، وخليل بن أبيك الفلسطيني المعروف بالصلاح الصفدي، وكان متصلا بالموشح الأندلسي محمد بن يوسف بن حبان ولعله استفاد منه كثيرا مما يتعلق بهذا الفن، ومن قوله في توشيحاته:
لا تحسب القلب عن هواك سلا
وإنما حاسدي الذي نقلا حرف
أسلو ولا صبر لي ولا جلد
ونار شوقي وسط الحشا تقد
وكل وجد دون الذي أجد
ما وصل القلب في هواك إلى
هذا ولو شئت أن ترى بدلا سوف
وقد وصف ابن خلدون هؤلاء الوشاحين فقال:
(وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما قالوه من الموشحات، ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك التي اشتهرت شرقا وغربا أولها:
حبيبي أرفع حجاب النور عن العذار
تنظر ألمك على كافور في جلنار)
واعترف المشارقة أنفسهم بذلك وفي مقدمتهم ابن سناء الملك الذي قال عن موشحاته أنها كالظل إذا قورنت بالموشحات الأندلسية وأنها ناقصة عند قدر كمالها.
الموشحات في المغرب:
إذا كان المشارقة على نحو ما رأينا قد عالجوا فن الموشحات وقننوه بعد أن انتقل إليهم على بعد المسافة وطولها، فماذا كان دور المغاربة الذين هم أقرب العرب جورا للأندلس، لا يفصلهم عنها غير مضيق لا يتعدى بضعة أميال والذين أخضعوها لحكمهم في الفترات الأخيرة من تاريخها.
للأسف الشديد ليس في كتب الأدب والتاريخ التي بين أيدينا نصوص تثبت أن المغاربة عالجوا فن التوشيح، وقد كان منتظرا من صاحب المطرب أن يطلعنا على نماذج مغربية لهذا الفن، خاصة بعد أن قال عن الموشحات بأنها (من الفنون التي اغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق) ولكنه لم يفعل حتى بالنسبة للأندلسيين واكتفي بذكر موشحين لأبي بكر ابن زهر.
ولعل السبب في ضياع هذه الموشحات أن الذين كتبوا عن المغرب أهملوا تسجليها ظنا منهم أنها ليست من الأهمية حتى يوردوا نصوصها، وأعتذر بعضهم عن ذلك بأنه (لم تجر العادة بإيرادها في الكتب المجلدة المخلدة).
وربما كان الداعي إلى فتور هذا الفن عند المغاربة وعدم اهتمام مؤرخيهم بذكره وتسجيله أن أدباء العصر الموحدي، وهو عصر ازدهار اللغة العربية وآدابها في المغرب، حاولوا البعد عن تقليد الأدب الأندلسي معرضين عن أصحابه الذين كانوا كثيري الفخر والمباهاة.
ولكنا مع هذا لا نستبعد أن يكون المغاربة قد عالجوا هذا الفن في كثير من الإتقان والإبداع خاصة وقد وفد عليهم كثير من الوشاحين والزجالين الأندلسيين أمثال الحفيد بن زهر، وأبن حزمون والهيثم المريبطري، وسهل بن مالك الغرناطي، ولعلهم لم يمارسوه إلا في العصور المتأخرة وبعد سقوط الأندلس ونزوح الهاربين منها إلى المغرب، بعد انتشارالطرب الأندلسي القائم على الموشحات وإقبال المغاربة عليه.
وقد ازدهر هذا الفن الغنائي الجديد في تطوان وفاس والرباط وهي أهم المدن التي استوطنها أهل الأندلس، وقامت له أجواق كثيرة متعددة على ما وضعه فنان مغربي لا يستبعد أنه من سلالة هؤلاء الوافدين يدعى (الحايك) كان له فضل جمع الموشحات