تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلى جانب تقنينه لهذا الفن الذي كان عالما به ناقدا له عالج موضوعات في براعة وإجادة ودون تكلف كثير، ولعل أهم ما يلاحظ على ابن سناء الملك في بعض موشحاته ظاهرتان، أما الأولى فابتكاره للخرجات وعدم تقيده بالخرجات المغربية التي كان معاصروه لا يختمون توشيحاتهم بغيرها بل عمد إلى وضع خرجة فارسية في موشحته التي مذهبها:

في خديك من صير اللاذ ثياب الياسمين

ودع ذافيا حيرة الواشي من ذا السحر المبين

وفي الخرجة يقول:

دانستي كربوسة بمن داد دها انكسترين

أو اروكواي دست من باش ببوسته شبين

ومعناها (هل تعرف متى قبلتها أن فمها .. كن شاهدي على هذه القبلة التي منحتني إياها) (10) ويظهر أن ابن سناء الملك كان يحاول تقليد بعض الموشحين الأندلسيين الذين كانوا يضعون لموشحاتهم خرجات رومانية أمثال ابن بقي الذي يقول في إحدى خواتم منظوماته:

ألب ديه اشت ديه دي ذا العنصر حقا

بشتري مو المدبح ونشق الرمح شقا

ومعناها: (هذا اليوم يوم فجري، إنه يوم عيد العنصرة، سوف ألبس ثوبي المزين وأشق الرمح شقا).

وأما الظاهرة الثانية التي خالف بها ما درج عليه الموشحون فعدم التزامه أحيانا لقافية واحدة في أسماط كل بيت كما في موشحه الذي يقول فيه:

عسى، ويا قلما تفيد عسى

أرى لنفسي من الهوى نفسا

مذ بان عني من قد كلفت به

به قلبي تدلج في تقلبه

وبي إذن شوق عاتي

ومدمع بوم شاتي

لا أترك اللهو والهوى أبدا

وإن أطلت العتاب والفندا

إن شئت فأعدل فلست أسمع

أنا الذي في الغرام أتبع

وتحتدي صبابتي

فلتدعني وعاداتي

وغير ابن سناء الملك نبع وشاحون آخرون في مصر منهم ابن الوكيل صدر الدين محمد بن عمر الدمياطي المعروف برقته في الشعر وبمعارضته لقصائد غيره، وقد أورد له المقري موشحة ضمن خواتم إقفالها إعجاز نونية ابن زيدون، منها هذه الاشطار:

غدا منادينا، محكما فينا

يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

بحر الهوى يغرق من فيه جهده عام

وناره تحرق من هم أو قد هام

وربما تقلق فتى عليه نام

قد غير الأجسام وصير الأيام

سودا وكانت بكم بيضا ليالينا

ومنهم كذلك محمد بن سليمان بن علي التلمساني المعروف بالشاب الظريف وكما الدين علي بن محمد بن يوسف الشهير بابن النبيه، وجمال الدين محمد بن محمد بن نباتة الذي أورد له المقري موشحة لا توجد بديوانه وهي التي يقول فيها:

أحبتي وصحابي هذا أوان شرابي

باكر خلاصة خمر مشوقة للنفوس

على أهله قطر تحكي شفاه الكؤوس

من كف ظبي كبدر في الترك نامي الغروس

إلى الخطا ذي انتساب عدمت فيه صوابي

ولم تكن مصر وحدها التي تقبلت هذا الفن النازح من الأندلس، وإنما سعت إليه كذلك أقطار الشام والعراق بالرغم مما كان في هذا الأخير من سيادة الموسيقى والغناء الفارسيين، وربما كان أبو مروان بن زهر الذي مارس الطب في بغداد ناقل هذا الفن إلى العراقيين، وقد نبغ منهم فيه شهاب الدين محمد بن يوسف التلعفري الموصلي، والقاسم الواسطي، وشمس الدين محمد بن دانيال الموصلي، الطبيب الشاعر، وعبد العزيز بن سرايا المعروف بصفي الدين الحلي، ويعتبر من أشهر الموشحين المشارقة، وفي ديوانه موشحات كثيرة يبدو عليها طابع التكلف والتصنع ومن أشهرها تلك التي يقول في مذهبها:

10 (دراسات في الشعر في العصر الأيوبي) للدكتور محمد كامل حسين ص 129.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٣