تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كاد يموت هذا الفن بعد أن انصرف الناس عنه إلى الزجل لولا محاولات ابن الخطيب الذي عمل على إحيائه فألف كتابا على غرار (دار الطراز) جمع فيه الموشحات الأندلسية سماه (جيش التوشيح) وجاء بعد لسان الدين تلميذه ابن سهل ولكنه على عكس كان ينظم منظوماته يعني بها ويطيل النظر في أسلوبها.

وكان أن انتهى أمر هذا الفن في الأندلس بانتهاء أمر المسلمين فيها ولكن لا إلى الموت وإنما إلى الرحيل نحو المشرق حيث عالجه الشعراء في غير قليل من التكلف متقيدين بكثير من القيود الشكلية التي سطرها ابن سناء.

الموشحات في الشرق:

في التقديم الذي كتبه الدكتور جودة الركابي لدار الطراز قال متحدثا عن صاحب الكتاب أنه (أول من أدخل فن الموشحات إلى الشرق) وهو قول غير صحيح بدليل أن ابن سناء الملك ذكر في أول كتابه أنه كان شغوفا بالموشحات الأندلسية والمغربية يقرأها ويحفظها ويحاول تحليلها وإدراك قيمتها، ويزيد في إبطال هذا الرأي أن الشاعر المصري لم يتصل مباشرة ببلاد الأندلس والمغرب حتى يتاح له التعرف على هذا الفن في موطنه الأصلي، فابن سناء الملك إذن لم يكن أول من أدخل هذا الفن إلى بلاد الشرق فقد كانت تعرفه من قبل ولكن البحث لم يصل بعد إلى نتيجة نهائية في التعرف على من سبق في تعريف المشارقة بهذا الفن، لعله أندلسي سافر إلى بلاد الشرق لسبب أو لآخر، أو لعله أحد المشارقة رحل إلى بلاد المغرب الأندلس، أو لعلها جماعة من المغنين والملحنين سافرت من هنا أو هناك، أو لعلها كتب ورسائل كانت تتبادل بين البلدين، وربما يكشف البحث في مستقبل الأيام عما يثبت به بعض هذه الفروض.

وبالرغم من أننا لا نملك دليلا يمكن الاعتماد عليه، فقد زعم أكثر من مستشرق أن بعض الأندلسيين رحلوا إلى بلاد المشرق ونقلوا معهم فن الموشحات، يقول (انخل بالنثيا) أنه (في خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين توجه من أهل الأدب إلى المشرق وكان لهم أثر عظيم هناك، وعن طريق هؤلاء انتقل الزجل إلى المشرق وكان أول من علم أهله أبو مروان بن زهر الذي مارس الطب في بغداد، وأبو علي الشلوبيني النحوي، وعبد المنعم بن عمر وكان كحالا وفيلسوفا وأصله من جيان وأصبح فيما بعد شاعر صلاح الدين الأيوبي، وأبن سعيد الغرناطي الذي اجتمع في المشرق بشعراء أندلسيين هاجروا من بلادهم وانصرفوا إلى صناعة الزجل في مهاجرهم ومن أولئك أبو الحاج يوسف بن عقبة) (7) وقد رد على هذا الرأي الدكتور مصطفى عوض الكريم بان الموشحات في ذلك الوقت لم تكن قد أصبحت فنا معترفا به في الأندلس (8)

. وواضح أن هذا رأي خاطئ لما مر بنا من أن العهد المرابطي وهو الفترة التي رحل فيها هؤلاء الأندلسيون، كان العصر الذهبي لهذا الفن. وشبيه برأي المستشرق الاسباني قول صاحب المغرب متحدثا عن أمية بن أبي الصلت الاشبيلي: (وتوجه في رسالة إلى مصر فسجن في القاهرة في خزانة البنود، وكان فيها خزائن من أصناف الكتب، فأقام بها نحو عشرين سنة، فخرج منها وقد برع في علوم كثيرة من حديثة وقديمة .. وعنه أخذ أهل افريقية الألحان التي هي الآن بأيديهم) واستند الدكتور شوقي ضيف على أهل هذا الكلام وعقب عليه بقوله: (ولا بد أنها كانت مصحوبة بموشحات رواها لهم).

ومهما كانت الوسيلة التي انتقل بها هذا الفن إلى المشرق فإن مصر كانت أول دولة تقبلت هذا الفن الذي وجد في ربوعها بيئة صالحة لانتشاره وازدهاره، فقد ألف الشاعر المصري هبة الله بن سناء الملك كتاب (دار الطراز) ضمنه كثيرا من موشحات الأندلسيين وما نظمه على طريقتها من غير أن يورد ما أنتجه غيره من المشارقة في هذا الفن، وفي مقدمته التي تحدث فيها عن أصول فن التوشيح وطريقة نظمه قال: (ولم أر أحدا صنف في أصولها يكون للمتعلم مثالا يحتذى به وسبيلا يقتفى، جمعت في هذه الأوراق ما لابد لمن يعانيها ويعني بها من معرفته، ولا غناء بها عن تفصيله وجملته ليكون للمنتهى تذكره وللمبتدئ تبصرة) (9)

7 تاريخ الفكر الأندلسي ص 76+ 166.

8 فن التواشيح ص 150.

9 دار الطراز ص 24.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٦٢