أحداث التاريخ ومشاكل الجماعة:
الواقع إننا عندما نمعن النظر في ذلك التاريخ ونتدبره بعمق، نجد أن هذه النظرية تقبل الجدال بصور جلية.
لنعد إلى مثال الدولة العباسية، وأول ما نلاحظه أن هذه الدولة نشأت في نطاق تطور العالم الإسلامي، فهي التي تحملت مسؤولية الخلافة وتولت قيادة ذلك العالم طوال مدة مديدة من التاريخ.
ومعنى هذا أنها ورثت عن الدولة الأموية ما كانت تتخبط فيه من مشاكل ومعضلات، أضافت إليها ما تمخض عنه زمامها من مشاكل جديدة.
والدولة الإسلامية بوصفها دولة تأسست على مبادئ الإسلام الثورية، نشأت معها منذ اليوم الأول مشاكل مذهبية كمان لها فيما بعد الأثر البالغ في سير الأحداث، ومن بين هذه المشاكل مشكلتان أساسيتان نقف عندهما الآن لحظة قصيرة:
المشكلة الأولى تتصل بنظام الخلافة وشكلها.
المشكلة الثانية تتعلق بتطبيق مبدأ المساواة الإسلامية بين العرب الفاتحين والشعوب التي دخلت تحت حكمهم واعتنقت الإسلام.
فمشكلة الخلافة كانت في الواقع منذ اليوم الأول هي مشكلة الحكم الديمقراطي في الإسلام، كما بين ذلك طه حسين في كتابه «الفتنة الكبرى» فلقد حاول الخلفاء الراشدون، كل حسب اجتهاده، أن يحققوا نوعا من الديمقراطية طبقا لمبادئ الدين الجديد الذي يقر المساواة والشورى في تدبير مصالح الجماعة ويصون كرامة الإنسان وحريته، مما جعل الحكم في أيام الإسلام الأولى يمتاز بنوع من النزاهة والعدل.
ولكن، سرعان ما ظهرت عند بعض الأسر القرشية الكبرى نزعة لاحتكار منصب الخلافة لفائدتها مما أدى إلى نشوء التطاحن بين تلك الأسر، ولنشر هنا بقصد التذكير إلى النزاع الذي قام بين بني هاشم وبني أمية، وبين بني الزبير وبني أمية، وبين بني العباس وبني أمية، وبين بني العباس وبني علي، فالصراع على كرسي الخلافة انحصر، كما يرى القارئ، بين بعض الأسر القرشية وسقوط منصب الخلافة في الأطماع الشخصية جعله ينسلخ شيئا فشيئا عن صبغته الديمقراطية التي اكتساها نوعا ما في أيام الخلفاء الراشدين.
وكان من الطبيعي أن تثير هذه الأطماع رد فعل قوي لدى العرب وغيرهم من الشعوب الإسلامية، بحيث أن تلك الفكرة الديمقراطية لم ثمت، بالرغم من سيطرة تلك الأسر على الموقف، فقد احتضنها الخوارج الذين كانوا يذهبون على أن الخلافة حق ما بين جميع المسلمين، الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وكما يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه «تاريخ الإسلام السياسي»، فقد «انظم إلى الخوارج وغذى صفوفهم أولئك العرب الخلص من رجال الصحراء وبخاصة بعض القبائل العربية ذات الخطر والشأن، مثل قبيلة تميم وأبطال القادسية ورؤساء الجند الذين انظم إليهم أولئك المتطرفون في الإسلام من أهل الصيام والصلاة، كما سماهم بذلك الشهر ستاني، ورأوا أن جماعة المسلمين أصبحت في خطر بسبب المطامع الشخصية». انظر ج 1 ص 301)
وكان يمثل الفكرة المناقضة للخوارج الشيعة الذين كانوا يقولون بان الخلافة يجب أن تنحصر في آل البيت ولا تصح لغيرهم.
والمشكلة الثانية تدخل هي أيضا في نطاق تطبيق الديمقراطية الإسلامية، فمن جملة المبادئ التي دعا إليها الإسلام مبدأ المساواة بين المسلمين مهما كانت جنسيتهم وسلالتهم ولونهم، بحيث لم يجعل للعرب وهم قوم النبي أي فضل على غيرهم من المسلمين الذين ينتمون لأمم أعجمية.
ولكن إلى أي حد استطاعت الدولة الإسلامية أن تطبق هذا المبدأ؟ وهل أمكنها أن تمنح للموالي نفس الحقوق التي كانت تمنحها للعرب؟
إذا عدنا إلى تاريخ الدولة الأموية التي تمت في أيامها الفتوحات الكبرى وتوطدت أركان الإمبراطورية الإسلامية، نجد أن هذه الدولة لم تكن تعتمد إلا على العنصر العربي في إدارة شؤون الحكم، فولاة الأقاليم والموظفون السامون، وقواد الجيش، والجند أنفسهم كلهم