عرب، وبقاء النفوذ والسلطة بيد العرب على هذه الصورة جعل الموالي يشعرون أنهم مسودون وان العرب هم السادة، وكان لهذا الوضع أثره في إذكاء روح القومية لديهم وفي دفعهم نحو مواقف العداوة والتمرد.
ولقد ثار الموالي على الحكم الأموي، بالفعل، وحاربوا في صفوف الخارجين عليه، فانضموا إلى الخوارج وشاركوا في فتنة عبد الرحمن بن الاشعت، وفتنة يزيد بن المهلب وغيرهما من الثورات.
وهكذا، نشأت المشكلة الثانية التي كان لها اثر عميق في تاريخ الإسلام، وهي المشكلة الناشئة عن العجز في تطبيق مبدأ المساواة على حقيقته، لقد أراد الإسلام أن يقيد العلاقات فيما بين الأفراد بهذا المبدأ ويحررها من منطق القوة حتى يبقى الضعيف آمنا على حقوقه، إلا أن الحكام، على ما يظهر، لم يقووا على تحقيق هذه الإرادة إلى أقصى حدودها.
هاتان مشكلتان أساسيتان صادفتهما الدولة الإسلامية الفتية حينما انحرف رجالها عن تطبيق الديمقراطية التي جاء بها الدين الجديد، فقد عجزت من جهة، أن تعطي لنظام الخلافة والحكم، بصفة عامة، الشكل الواضح المنطقي المطابق لمبادئ الإسلام، كما أنها من جهة أخرى، لم تستطع أن تجعل من المساواة الإسلامية حقيقة واقعة في العالم الإسلامي.
فمشكلة الخلافة وما أثارته من أهواء جامحة وصراع عنيف هي التي كانت سببا في انهيار دولة الخلفاء الراشدين بعد مقتل علي، وهي التي كانت سببا في انقراض الدولة الأموية فيما بعد.
ومشكلة قدم التساوي بين العرب والموالي هي التي كانت سببا في خلق حزب جديد في الدولة الإسلامية يناوئ حزب العرب، وهو حزب أبناء الشعوب المغلوبة، وخاصة منهم الفارسيين والخراسانيين.
وقد برهن هذا الحزب عن وجوده حينما أصبح عاملا أساسيا يؤثر في تاريخ الدولة الإسلامية واتجاه تطورها فالدولة العباسية التي اتخذناها مثالا لدراستنا إنما هي ثمرة لكفاحه السياسي، وما انتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد القريبة من فارس إلا حادث يرمز بكيفية واضحة إلى أن الدولة لم تعد دولة العرب وحدهم، وإنما هي دولة مشتركة بينهم وبين الشعوب العجمية التي دخلت الإسلام وهذا ما دل عليه فيما بعد دلالة واضحة دخول العناصر العجمية بكثرة في خدمة الدولة العباسية وتقلدها للمناصب السامية على اختلافها من كتابة وحجابة ووزارة وقيادة عسكرية وما إلى ذلك.
وإذن، لم يكن تاريخ الدولة العباسية تاريخا يتكون من أحداث مفككة، كما خيلا ألينا أول مرة، بل هنالك عوامل تعمل في الأعماق وأحيانا في الخفاء، هي التي توجه ذلك التاريخ وتحرس سيره وتغذيه بالأحداث، وهذه العوامل على اختلافها ترجع إلى عامل أساسي واحد وهو رغبة الشعوب في العدل والحكم العادل.
لقد جاء الإسلام في وقته كثورة تاريخية تمثل بالنسبة لسائر الأمم الموجودة آنذاك خطوات جريئة إلى الإمام، فقد نادى بالمساواة بين البشر دون أي استثناء ووضع أسسا جديدة للحكم هي اقرب ما تكون للديمقراطية الحديثة، وهذه الروح الثورية هي التي جعلت الإسلام ينتشر بسهولة ويغزو ضمائر الشعوب ويحل محل العقائد الجامدة المنافية للعقل.
لكن اتجاه الدولة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين وتصرفات رجال الحكم أظهرت لتلك الشعوب التناقض الموجود بين مبادئ الدين وتعاليمه، وبين ما يأتي به الساسة والمتصرفون، وكان الشعور بهذه الظاهرة هو بداية التنافر بين الحاكمين والمحكومين.
التاريخ مرتبط بمطامح الشعوب:
ذلك أن تاريخ الدولة العباسية لم يكن من صنع الرجال الأفذاذ أمثال أبي جعفر المنصور والرشيد والمأمون وغيرهم، كما تصورنا لأول وهلة، وإنما هو نتيجة لكفاح الشعوب الإسلامية في سبيل الحصول على الحكم العادل، لقد ثارت تلك الشعوب على الخلافة الأموية لما تبين لها أنها تسلك سياسة متحيزة للعرب وعملت على قيام دولة أخرى تكون أحفظ لحقوقها فكان هذا هو الأصل في الدولة العباسية. د
لكن الدولة العباسية أن استطاعت أن تزيل الفوارق بين العرب وغيرهم من الشعوب الإسلامية، فإنها لم تستطع أن تحل المشاكل الاجتماعية لتلك الشعوب وإنما اقتصر عملها على ترضية بعض الأسر الفارسية والتركية والاعتماد على شوكتها وعصبيتها، فكان هذا سببا في نشوء قلق جديد داخل المجتمع العباسي.