تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك بعض النتائج الحاصلة من المذهب الذي يقول بان التاريخ لا يسير حسب اتجاه منعين، وإنما هو تسلسل أحداث عريضة كان من الممكن أن يقع غيرها وتكون مناقضة لها، ومعنى هذا أن التطور المشاهد حسبا في أحداث التاريخ لا يسوغ تأويله حسب فلسفة أو عقيدة، بحيث أن ما ظهر في التاريخ من شرائع وما نشب من ثورات قلبت الأوضاع وغيرت وجه الحياة لدى أمم لم يكن، حسب هذه النظرية، ناجما عن ضرورة أوجدها التطور واقتضتها ظروف موضوعية خارجة عن إرادة الإنسان، قاهرة لها.

هذه الاستنتاجات التي توصلنا إليها من نظرية حرية الإنسان في التاريخ قد تكتسي في أعيننا صبغة الحقيقة الثابتة العميقة عندما نتأملها على ضوء بعض الأحداث التاريخية، خاصة في القرون الماضية ولكن، سنرى بعد دراسة احد الأمثلة من التاريخ العربي الإسلامي أن تلكم الصبغة إنما هي ظاهرية.

ومثالنا هو العصر العباسي، فنحن عندما تقف وقفة قصيرة في هذا العصر ونستعرض أحداثه، نجد وقائع كثيرة تبين لنا أن الفرد هو العامل الفعال في التاريخ، فكل خليفة من أبي العباس السفاح ومن يليه يظهر وكأنه يتصرف تصرفا خاصا به لا يخضع لأي مؤثر خارجي عن إرادته، فالأمة الإسلامية لم يكن لها حسب الظاهر أي وسيلة للتأثير عليه، ومصداق هذه الحرية الظاهرية هو ما نراه من تناقض صراح بين الخلفاء في بعض تصرفاتهم، من التغاضي والتسامح الديني ومنهم من اظهر عطفا على آل البيت وشيعتهم ومنهم من اضطهدهم ولكل بهم.

ومما يزيدنا اعتقادا بان الفرد هو الذي يسير التاريخ، أن هذا الحكم المطلق الذي كان يتمتع به الخلفاء آنذاك كان ينسجم ظاهريا مع روح العصر، فلم يكن يثير أي تعجب لو استنكار من معاصريه: فالأمة بالنسبة للخليفة كالمادة الخام تخضع لإرادته وتتحول بمشيئته، وذا منطق في فهم الحكم تقبله الأمة وتسلم به، فهو متفق عليه سلفا من جانب الحاكم والمحكوم، نتيجة للتقاليد القديمة ولبعض التعاليم الدينية، وللهيبة التي يحظى بها الحاكم أمام المحكوم.

وبالجملة، فنحن عندما نعتبر الظاهر والقرائن البارزة، نستنتج من دراسية تاريخ الدولة العباسية:

1) إن الحاكمين ورجال الحل والعقد كان لهم مطلق التصرف كأفراد في تسيير الأحداث وتوجيهها وقفا لأهوائهم وغرضهم.

2) إن ما يسمى بالشعب أو العامة لم يكن له دور بارز فعال، نعم، قد يثور في بعض الأحيان ويحدث الضوضاء والفتنة، ولكنها ثورة غير ذات أهداف، سرعان ما يخمد أوارها ونبقى الكلمة الأخيرة لرجال الحكم.

وهكذا، فان الصراع الذي يحفل به تاريخ الدولة العباسية لم يكن بين الشعب وحكامه، وإنما بين الأفراد البارزين الطموحين الذين يتنازعون على الجاه والسؤدد، فالرغبة في الحكم أو «إرادة القوة» كما يقول «نيتشه» هو المحرك الذي يدفع الأحداث ويخلق التاريخ، هذا ما نشاهده في قصة أبي جعفر المنصور مع أبي مسلم الخرساني وفي قصة الرشيد مع البرامكة، وفي النزاع بين الأمين والمأمون وفي ما تشب من صراع بين الخلفاء وبعض المسيطرين على مقاليد الدولة أمثال البويهيين وغيرهم.

ويخيل ألينا أن الشعب يحضر لهذه الأحداث دون أن يشارك فيها، وإنما يقف موقف المتفرج الذي لا ينتظر شيئا لنفسه، وإنما هو متفرج يجذبه حب الاطلاع والاستزادة من المعرفة.

ذلك هو الاستنتاج الذي نخرج به لأول وهلة عندما نلقي نظرة سريعة على تاريخ الدولة العباسية التي لم نخترها إلا كمثال، وغيرها من الدول التي كانت في العصر القديم والعصر المتوسط.

ومعنى هذا الاستنتاج أن تاريخ تلك الدول لا يبين عن اتجاه معين، وإنما هو تسلسل أحداث في شكل فوضوي وصراع متواصل بين أشخاص وعصبيات.

فهل يمكننا أن نطمئن إلى هذا الاستنتاج ونقبله كقول فصل في الموضوع؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٥٦