لقد تجلى في الإسلام معالجة ما كانت تئن منه الإنسانية في أعالي القرون الوسطى وهي مشكلة اليوم من غير جديد.
ويسرنا في هذا الحديث ونحن نريد الكلام فيه عن الإسلام ومشكلات الحياة)، أو بعبارة أخرى عن (مبادئ الإسلام الدستورية في نواحي الحياة). أن نعلن أن الإسلام قد تجلى فيه معالجة ما كانت الإنسانية تئن منه في أعالي القرون الوسطى حين فاجأها وهي في حروب دائمة دامية متواصلة، وقد طغى فيها القوي على الضعيف، وتنكر الإنسان لأخيه الإنسان، وأتخذ بعضهم أربابا من دون الله على الآخرين، ونزلوا بغيرهم إلى الطبقة الدنيا، وجردوهم من حق الحياة والوجود، حتى أصبح فيها حياة كل من الأفراد والمجتمع في جحيم مقيم.
وهذه هي مشكلة الإنسانية اليوم من غير جديد بعد أن خرجت شعوب العالم منذ أواخر القرون الأولى ومطالع القرون الوسطى عن عزلتها، واحتكت ببعضها، وأوردت ذلك الاحتكاك أحقادا وحروبا.
وأن هذا الاحتكاك مع تقدم الحضارات اليوم لا يزداد إلا اشتداد واحتداما، على ما تزداد الشعوب من بعضها اتصالا، وذلك بفضل تقدم المدنية وتشابك المصالح، تلك المصالح التي جعلت من أبناء الإنسانية في كل مكان من هذه الأرض أبناء أسرة واحدة، والأجدر بأبناء الأسرة الواحدة التواصل والتراحم لا التنازع والتخاصم، وهذا ما نادى به الإسلام منذ أربعة عشر قرنا بين العرب أولا، ثم بين العرب والأمم أجمعين ثانيا، فقال: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فجاء نداؤه تلبية لحاجة الناس أجمعين، وبلسما لجراح البائسين، وهذا هو ما جعل الإسلام بعد ذلك ينتشر بسرعة لا عهد للإنسانية بها حين خرج من جزيرة العرب، حتى قوض عروش الأكاسرة، ودك قواعد القياصرة في أقل من عشر سنوات.
خطأ الذين يفهمون الإسلام في حدود الدين عند علماء الغرب
ويخطئ الذين يفهمون الإسلام فقط ضمن حدود الدين الذي عرفه العلماء في الغرب فقالوا في أحسن تعاريفه كما نصت عليه دائرة المعارف الدينية لديهم، وهو ما جاء في التعريف الذي وضعه كوبليت دالفييلا Golbet d'aliviella حيث قال: (إن الدين هو الطريقة التي يحقق بها الإنسان صلاته مع قوى الغيب العلوية).
كما يخطئ الذين يفهمون الإسلام في حدود تعريف آخر للدين عند علماء الغرب أيضا في الدرجة الثانية من أصل مئة تعريف كما وضعه جايمس دارمستيتر James Darmesteter حيث قال: (إن الدين هو ما يشتمل على كل معلوم وكل سلطة لا تتفق والعلم).
فقد تجاوز الدين في مفهوم الإسلام والقرآن تلك الحدود من (صلات الإنسان مع قوى الغيب العلوية) إلى حدود أخرى أعطاها نفس الاهتمام، إلا وهي (صلات الإنسان مع الإنسان).
وفوق ذلك حمل المخاطبين على الاحتكام في كل تلك الصلات إلى العلوم والعقل، وصارح قرآنه بأنه يخاطب الذين يعلمون والذين يعقلون، فقال: (نفصل الآيات لقوم يعلمون) وقال أيضا: (كذلك يفصل الآيات لقوم يعقلون)، وهكذا أهمل في خطابه الذين لا يعلمون والذين لا يعقلون، ووصف دعوته بأنها دعوة إلى الحياة فقال: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) وهو أول نداء في هذا المعنى في لغة الأديان.
- يتبع-