لا بإرادة الحاكمين، وبذلك يفقد الفرد من جديد ما كان يسعى إليه من حق في الحرية والكرامة في سبيل لقمته.
ولذلك وجدنا في بعض الدول من اضطر إلى الجمع ما بين المبدأين كحزب العمال الانكليزي ليخفف من مساوئ كل مبدأ على انفراد، وكان شعاره هو (الاشتراكية الديمقراطية) رغم ما يبدو من تنافر المبدأين.
لقد كانت الجمهورية العربية المتحدة أكثر توفيقا عندما ضمت إلى المبدأين مبدأ ثالثا هو التعاونية وجعلت شعار حكمها (الاشتراكية الديمقراطية التعاونية) حيث أكدت بمبدأ التعاون الاعتراف بنشاط الفرد وحريته واستقلاله في ملكيته على أساس من التعاون ما بين نشاط الدولة العام ونشاط الفرد الخاص.
عالمنا اليوم على عتبة روح جديدة لدى أقطاب النزاع: هي روح التعايش السلمي من غير صوغها في مبدأ حيوي إيجابي
ولكننا اليوم على عتبة أبواب روح جديدة يندفع العالم نحوها اندفاعا:
- بعد أن تعب العالم من النزال المتواصل بين المبادئ والنظم.
- وبعد أن أنهكتهم الحروب العالمية المتتالية.
- وبعد أن أصبحت الإنسانية كلها في خطر من جراء ذلك النزاع وهاتك الحروب.
وأصبح ذكر هذه الروح الجديدة على لسان كل من أقطاب أصحاب المبادئ المتناحرة. وتلك الروح الجديدة هي روح الرغبة في السلام ما بين أبناء الإنسان في كل مكان، وبين جميع الأقوام، ومختلف العقائد والنظم والأديان.
غير أن هذه الروح لم تتبلور بعد، ولم يشعر بجديتها أحد حتى الآن، ولم يتمكن أحد من صوغها في مبدأ حيوي إيجابي، إلا ما يجيء من وقت لآخر في شكل مبادئ سلبية:
- مثل عدم الاعتداء، وهو مبدأ سلبي ظاهر.
- ومثل تجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهو أيضا مبدأ سلبي.
- ومثل الاحترام المتبادل للسيادة والاستقلال، وهذا أيضا سلبي لأنه يقوم على عدم الاعتداء، وعلى تجنب التدخل في شؤون الآخرين.
- ومثل مبدأ المساواة والنفع المتبادل، وهو أيضا تقريبا مبدأ سلبي لأنه يقوم على عدم الخروج على مبدأ المساواة والنفع المتبادل.
- ومثل مبدأ التعايش السلمي، وهو كذلك مبدأ سلبي لأنه إنما يقوم على عدم العدوان فيما بين المتعاقدين.
وهذه المبادئ هي التي عرفت بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي فيما بين الهند والصين الشعبية، وقد كثر الاعتراض عليها لسلبيتها في الجملة، ولغموض فكرتها وخاصة في التعايش السلمي الذي (لا يزال بحاجة إلى تحديد وبيان) كما جاء في خطاب رئيس وفد تايلاند في مؤتمر باندونغ.
وزيادة على ذلك فإن مبدأ التعايش السلمي إذا ما قصر في تطبيقه على المتعاقدين الأقوياء يوشك أن يصبح تآمرا سلميا على غيرهم من الضعفاء لا تعايشا سلميا، لأنه لم يصرخ بعد أحد صرخة جدية عملية ولو في صورة سلبية في سبيل تعايش الإنسان مع أخيه الإنسان في كل مكان، ناهيك عن الدعوة الايجابية لخير الناس أجمعين.
فكرة التعايش السلمي في الإسلام فكرة ايجابية واضحة
أما الإسلام فقد نادى بهذا المبدأ منذ أربعة عشر قرنا دون أن يطوقه بحدود فيما بين الأقوياء، ودون أن يقصره على فريق من الشعوب، أو على فريق من أهل الأديان، ولم يتركه فكرة سلبية غامضة، بل وضع معالمه، وأظهر خصائصه، وتناول فيه جميع نواحي حياة الإنسان: منفردا ومجتمعا، وما اسم الإسلام إلا كلمة مشتقة من مادة السلم والسلام، ولذلك اتخذ الإسلام (السلام) تحية وشعارا، وعزز ذلك الشعار فقال في قرآنه الكريم (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا).