دعوة الحق، س.5، ع3 /دجنبر 1961 .................... ص 5
صفحة من العدالة الإسلامية
للأستاذ: محمد الطنجي
إن حياة ضمير العظماء واستقامة سلوكهم تجعل منهم خير بناة لعظمة الأمم، وإن المسلمين يرون في عمر بن الخطاب المثال النموذجي الكامل، عز وندر وجود مثله في التاريخ، وقد كانت قضاياه وأعماله، ولا زالت غرة في تاريخ التشريع والتنفيذ معا، فهو من جهة يرى على القاضي أو الوالي أن يتفهم القضايا المعروضة عليه، ثم بعد وضوحها لديه يبادر بتنفيذها حتى لا تضيع هيبة القضاء بكثرة المماطلة والتسويف، فالمحاكم الإسلامية كلها مدنية وجنائية وشخصية في نظره كأنها المحاكم العسكرية في نظر العصر الحاضر، في سرعة تعجيل القضاء وتنفيذه، فهو يقول في رسالته المشهورة في القضاء: «فأفهم إذا أدلي إليك، وأنقذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له».
وكان رضي الله صريحا في الحق صراحة تامة كما هو مشهور عنه من أنه لا يخشى في الله لومة لائم، وبصراحته في الحق، وقوة شخصيته في تنفيذه بكل دقة انتشرت في الحق، وقوة شخصيته في تنفيذه بكل دقة انتشرت له هيبة في النفوس لم تكن لأحد غيره .. فهذا زياد الشجاع الداهية البليغ لما أرسله سعد بن أبي وقاص بطل القادسية بحساب المغنم والفيئ على عمر وكلم عمر، ووصف له الانتصارات الإسلامية، قال له عمر هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به؟
فقال والله ما على وجه الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك، فقام زياد في الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبماذا يستأذنون فيه من الانسياح في بلاد، فقال عمر: هذا الخطيب المصقع، فقابل هذه بالجملة المأثورة (أن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا).
وكذلك ما ثبت عن ابن عباس من هيبة عمر حيث قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي (ص) اللتين قال الله تعالى فيهما: «أن تثوبا إلى الله فقد صفت قلوبكما» فمكثت سنة ما استطيع أن أسأله هيبة له حتى حج .. إلى آخر الحديث ..
فشخص عمر المتفاني في إقامة العدل كيف صاغ له أن يشاطر ولاة في أموالهم لم تثبت عليهم خيانة في ولايتهم؟
يظهر أن سند عمر في عمله هو ما صح عن النبي كما في رواية مسلم: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا (أي إبرة) فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة) قال راوي الحديث (فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني انظر إليه فقال: يا رسول الله أقبل عني عملك، قال ومالك؟ قال سمعتك تقول كذا وكذا قال: وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه اخذ، وما نهي عنه انتهى).
وتطبيقا لهذا الحديث قال الرسول في قضية عامله إبن اللتبية الذي قال هذا لكم وهذا أهدي لي: حيث قام خطيبا وقال بعد أن حمد الله (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا اهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟
وعمر قد اتخذ في سياسته مع العمال انه كان يمنعهم من التجارة منعا بابا ليلا يستغلوا جاه الولاية ونفوذها لمطامحهم الشخصية كما تمنع ذلك بعض الدول الأوربية الآن، بل وتمنع حتى شراء الأملاك .. وإن كان هذا التشريع أصبح اسميا عندها .. حيث أن كثير من الأشخاص أخذوا يسجلون ما يملكونه في أسماء آبائهم أو أزواجهم محافظة على حرفية القانون