تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أسباب الخلاف ما بين الناس إنما هي المرأة والمال، فعلى الطبقة الأولى أن تعيش في اشتراكية وشيوعية كاملة فيهما فلا يختص رجل بامرأة، ولا يملك احدهم مالا، وبذلك تزول أسباب الخلاف فيما بين الطبقة مالا، وبذلك نزول أسباب الخلاف فيما بين الطبقة العليا الحاكمة، وأما الطبقة العامة فتملك وتتزوج وتقدم ما لديها لخدمة الطبقة الأولى.

ورأي أفلاطون في ذلك النظام نظاما يتفق مع طبيعة المدينة الفاضلة التي تصورها، ولم يصنع بما فكر إلا أن قذف المجتمع الفكري من جديد في مشكلات وعقد جديدة تثبت نظام الطبقات والتمايز بين الأفراد، ذلك النظام الذي كان ولا يزال من أعظم أسباب النزاع في الحياة الإنسانية حتى اليوم.

نظام الطبقات لدى الرومان وبقاؤه في أوروبا حتى عهد الثورة الفرنسية

وكذلك كان الأمر لدى الرومان، فقد ساد لديهم نظام الطبقات، وتمتع فيهم الإشراف بكل الحقوق والامتيازات دون طبقة العوام التي لم تجد لها بدا من انتهاز الفرص للثورات فحطمت ما استطاعت من حواجز.

ولكن نظام الطبقات الاجتماعية لم يلبث أن ظهر في نظام طبقات اقتصادية متفاوتة في القدرة والسلطان حتى استقر فيها النظام الإقطاعي من جديد، ذلك النظام الذي ورثته أوروبا الحديثة عنها، وظل قائما فيها إلى عهد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر حيث قضت عليه الثورة قضاء نهائيا.

استمرار النزاع بين المبادئ في عالمنا الحديث من غير جديد، واستقطابها في الديمقراطية والاشتراكية

وهكذا استمر العالم في نزاع ما بين هذه المبادئ وليس في عالمنا الحديث من جديد حول الحلول الشاملة، وقد استقطبت هذه المبادئ اليوم في مبدأين أساسيين هما:

- الديمقراطية.

- الاشتراكية.

أما الديمقراطية فتهدف في الأصل من نظامها السياسي والاقتصادي إلى حرية الفرد، وذلك معالجة لما لقي الفرد من امتهان وطغيان في ظل النظام الارستقراطي، وحكم الأقلية المتسلطة المستغلة، وتمشي إلى هدفها بإعطاء أكثر ما يمكن من حرية لنشاط الفرد، حفظا لكرامته كإنسان.

وأما الاشتراكية فتهدف أيضا في الأصل إلى تحطيم هذا الاستغلال من قبل أقلية متسلطة، وذلك معالجة لنفس الداء، ولكنها تمشي إلى هدفها بتقطيب السلطة في الحكم، وتجريد الإنسان من كل حق في حرية نشاطه، إلا ضمن الحدود المرسومة له، كي تصل إلى المساواة والعدالة ما بين الجميع في حظوظهم في الحياة، وتكافؤهم في الفرص.

كل من الديمقراطية والاشتراكية تلبية لحاجة ضرورية دون معالجة ما ينتج عنهما من ردة على الأصل.

وكل من الديمقراطية والاشتراكية كما نرى ما هو في الحقيقة إلا تلبية لحاجة واحدة من حاجات الإنسان الضرورية من دون اكتراث بما نشأ عن الديمقراطية وحدها أو الاشتراكية وحدها من ردة على أمل المبدأ.

وهكذا فإن الديمقراطية وحدها، وما أعطته للفرد من حرية، لم تستطع أن تضمن المساواة في الحظوظ لكل فرد من أفراد المجتمع، لأن الفرد القوي يتمتع بحريته ويستفيد منها أكثر من الفرد الضعيف، فنحن إن كنا أنقذناه من حكم الارستقراطية والأقلية المستغلة بإقامة الحكم الديمقراطية فقد أعدناه من جديد ليكون تحت نفوذ وسلطان الأقوياء من رجال الحظوظ، وبذلك يعود الفرد من جديد إلى فقدان ما أعطيناه من حرية في سبيل كرامته.

وكذلك الاشتراكية وحدها، وما ضمنته للفرد من مساواة في حظوظ الحياة وتكافؤ الفرص، لم تستطع أن تضمن للفرد حقه الطبيعي في الحرية والكرامة، فنحن إن كنا أنقذناه من حكم الارستقراطية والأقلية المستغلة بإقامة الحكم الاشتراكي، فقد أعدناه من جديد ليكون تحت سلطة أقلية أيضا من رجال الحكم، وليغدو تحت تصرفها كآلة متحركة لا تتحرك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٣٨