تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس من شك في أن هذا الوجود الأوروبي وبوجه خاص وجود الانجليز منذ سنة 1882 أدى إلى نهوض عظيم في الحياة الاقتصادية: فأشغال الري المنجزة خلال إدارة اللورد كرومر (لم تنته هذه الإدارة إلا في سنة 1907) زادت في مساحة الأراضي المزروعة وساعدت على تنمية القطن أو قصب السكر. كذلك أقيمت سكك حديدية (4 آلاف كم في سنة 1913) في مصر بالمعنى الضيق لهذه الكلمة أي بغض النظر عن الخط الذي يربط الإسكندرية بالخرطوم.

أن مصر مدينة بهذا التحول إلى توارد رؤوس الأموال الأجنبية عليها. وإلى غاية سنة 1903 كان نصيب الاستثمارات الفرنسية وافرا جدا ولم يلبث أن أنهار بين سنتي 1904 و 1914 لفائدة الاستثمارات الفرنكات الذهبية.

إلا أن هذا الازدهار لم يعمل على تحسين مصير الفلاحين، بل نراه في أغلب الأحيان يزيد في خطورة الحالة عندهم، لأن هذا العدد الصغير من الملاكين لقطع الأرض لم يكن قادرا على تغيير طرائقة في الإنتاج، نتيجة لانعدام الوسائل المادية، فكانت النتيجة أن تحطم الفلاح وصار مملوكا، ثم أن أحداث مصرف زراعي لتقديم القروض له قد عطل لم تكن هذه الفئة من الفلاحين تفكر في الإخلال بالاستقرار السياسي: ولم تظهر مقاومة الوجود الإنجليزي إلا في أوساط الشبيبة المثقفة، إذ في سنة 1904 أسس «الحزب الوطني» الذي كان يمثل الجانب المتطرف في الاتجاه الثوري في حين أن «حزب الأمة» الذي أنشئ سنة 1907 بقيادة سعد زغلول باشا كان يصرح أنه سيظل في الطريق القانونية. وأعتقد كرومر أن باستطاعته الانسجام مع المعارضة «الدستورية»، بل كان على ما يبدو يشجع مبادرة زغلول ليتحايل على «الحزب الوطني» وتلكم بادرة ندم عليها خلفاؤه.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن تغلغل التأثيرات الأوربية كان متفاوتا جدا في الجزائر حيث يرجع الاحتلال إلى ثمانين سنة، عنه في تونس التي لم يمر على إخضاعها للسيادة الفرنسية سوى ثلاثين سنة. ففي الأولى كان هناك نظام الإدماج الإداري والجمركي وكان هناك سكان بيض (فرنسيون وأسبانيون) يبلغون ربع مجموع السكان تقريبا، إلى جانب تشريع زراعي كان يهدف إلى إلغاء أشكال التملك الجماعي شيئا فشيئا وإعطاء الأهالي رسوم التملك الشخصي، وأخيرا أعطاء حق الانتخاب لبعض الإفراد من الأهالي. أما في الثانية فنظام حماية وتشريع جمركي هادف إلى احترام المصالح الأجنبية، وهجرة سكنية بيضاء كان الإيطاليون فيها أكثر عددا من الفرنسيين إذ كانوا (أي الإيطاليون) يتمتعون بموجب اتفاقات 1896 بقانون خول لهم بالنسبة لباقي الأجانب امتيازات متفوقة.

لكن النشاط الاقتصادي في كلتا الحالتين كان ينمو بفضل رؤوس الأموال الأجنبية سواء فيما يرجع لاستغلال مناجم الحديد في الونزة ( Ouenza) أو البوطاس في الجنوب التونسي أو الحلقة في النجود العليا الجزائرية أو الكروم (الدالية) في التل ( Tell).

وفي الدولة العلوية ( Empire chérifien) لم يحس بعد بالوجود الفرنسي من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، إذ المعارك التي سميت (بمعارك التهدئة) مايو 1914). ولم يكن ممكنا في هذا الوقت -كما لاحظ الجنرال ليوتي في تقريره- تشجيع الهجرة السكنية، ما دامت البلاد مجردة من الأعمال الأولى للتجهيز الاقتصادي. وبالفعل كانت هذه الأعمال ضعيفة جدا: لم تكن قد انتهت الطرق الثلاثة التي أقيمت لوصل الدار البيضاء بالرباط والجديدة ومراكش كما أن الإعلان عن المناقصة المتعلقة بأشغال مرفأ الدار البيضاء لم يكن قد تم إلا في مارس 1913: ثم أن مد السكك الحديدية كان لا يزال في طور الدارسة. إلا أن التجهيز المدرسي كان قد أنجز في المدن، لكن التلاميذ الأهليين لم يكونوا بشكل يشكلون إلا الثلث من المجموع الذي بلغ آنذاك عشرة آلاف تلميذ.

ولا جرم في أن جنوبي أفريقيا كان الجزء الأفريقي الذي انقلبت أحواله بأسرع ما يمكن نتيجة للتأثيرات الأوروبية، ذلك أن اكتشاف مناجم ألماس وبعدها مناجم الذهب في تخوم الترانسفال والأورانج أدى منذ فترة 1890 - 1895 إلى توارد المهاجرين الأوربيين، وذلكم ما دعا سيسيل من آل رودس إلى بسط السيادة البريطانية على أرضين جديدة وقصده من هذا تطويق جمهورتي البوير وتنمية الشبكة الحديدية التي بلغت سنة 1913 ما قدره من الكيلومترات 17000، ثم أن هذا الاكتشاف كان سببا حاسما في الحرب التي أدت سنة 1902 إلى إلحاق الدولتين الصغيرتين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٠٠