دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 58
شؤون إفريقية: الهجرة الأوربية إلى إفريقيا قبل الحرب العالمية الأولى
للمؤرخ الشهير بيير رونفن
ترجمة الأستاذ: عبد الحق بنيس
ترجم هذا المقال من كتاب «تاريخ العلاقات الدولية» الجزء السادس -الفصل الخامس عشر، والكتاب جزء من سلسلة تاريخية تطبع تحت إشراف المؤرخ الكبير بيير رنفن. وأما الجزء السادس فمن تأليفه وهو يعالج الفترة التاريخية (1870 - 1914).
باتت أرض إفريقيا مستعمرة أوربية باستثناء دولتين كانتا مستقلتين وهما جمهورية ليبيريا ( Libéria) وايثيوبية ( Ethiopie). وكان جزء من السكان في الأولى يتكون من الزنوج الذين أرجعتهم الولايات المتحدة إلى موطنهم. وفي الثانية عمدت كل من بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا (سنة 1906) إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ اقتصادي. وقد أحدث الاستعمار الأوروبي المباشر تعديلات في أصناف العقلية. لكن الأحوال كانت تختلف جدا في المناطق المتوسطية - من البحر الأحمر إلى المغرب حيث يسود الدين لإسلامي بشكل لامع، عنها في إفريقيا الجنوبية التي كثر فيها الأوربيون كثرة قوية، وأخيرا في إفريقيا السوداء.
نعم ارتبطت إفريقيا الشمالية بصرف النظر عن طرابلس وبرقة ارتباط وثيقا عن طريق التوسع أما الاحتلال الايطالي للمقاطعتين الليبيتين فلم يكن آنذاك إلا في مهده حيث لا زال الايطاليون لم يشرعوا في الهجرة السكنية.
ففي مصر نجد أن أغلب السكان مسلمون وأن الأقباط يشكلون أقلية لا يستهان بها وأن الأوربيين الذين استوطنوا البلاد والذين بلغ عددهم 120 ألفا، كانوا لا يشتغلون بالنشاط الزراعي إلا قليلا: إذ كان ستة الآف من بينهم فقط يملكون قطعا أرضية وكان مجموع مساحة هذه القطع يبلغ 350 ألف هكتار أي ما يعادل 14 في المائة من الأراضي المزروعة. أما الأعمال الأخرى المتعلقة بالطرق العامة والمواصلات وبالصناعة والتجارة فكانت كلها تقريبا في يدهم. وكم كان هناك من خلاف، مع هذا كله، بين الانجليز (20 ألفا) الذين كانوا يشغلون مناصب القيادة المدنية أو العسكرية كضباط وموظفين ومهندسين ونجار كبار، وبين الفرنسيين (14 ألفا) الذين كانوا يمثلون مختلف الطبقات الاجتماعية من رجل الأعمال الكبير إلى التاجر البسيط، وبين الإيطاليين (30 ألفا معظمهم من ترييستا) الذين كانوا كلهم صناعا على وجه التقريب وبين اليونانيين وبتقديم القروض المالية بالفائدة إلى جانب بيع المشروبات. ومع أن هؤلاء الأوربيين جميعهم كانوا ضعاف الحال إلا أنهم يتمتعون بنظام امتيازي كانوا بموجبه معفون من أداء الضرائب المباشرة ومن الخضوع للمحاكم المحلية القضائية.