وتبع استغلال هذه الثروات الباطنية توارد لرؤوس أموال أخرى: فبلغت الاستثمارات الانكليزية في إفريقيا الجنوبية 1250 مليونا فرنكا ذهبيا - أعني نفس المقادير التي استثمرت في الهند تقريبا. ونتج عن هذا الاستغلال أيضا تبدلات هامة في الوسط الاجتماعي الأهلي، فالزنوج الذين بلغوا درجة من التطور كالبانتوس ( Bantons والكافر Cafres)) أخذوا يوفرون باشتغالهم في المناجم مبالغ مالية خصصوها لشراء القطع الأرضية. فكانوا والحالة هذه فلقين أكثر من أي وقت مضى على انتقال جزء من الأرض من مالك أبيض إلى مالك آخر. وأخيرا فإن هذا التحول في الحياة الاقتصادية أغرى عددا من الصينيين وآخر من الهنود بوجه خاص على الهجرة. وقد أصبح الهنود في الناتال يفوقون من حيث العدد السكان البيض إلى درجة أنهم طالبوا، بتأثير من غاندي، بحق الانتخاب. وإلى جانب هذه النتائج الاجتماعية المترتبة عن النمو الاقتصادي حدثت تبدلات في عقلية الأوساط الأهلية بتأثير من البعثات التبشيرية: 300 ألف أسود في الدين المسيحي بواسطة البعثات البروتستانتية.
كان جنوبي أفريقيا والحالة هذه في منتهى النضوج. حقا أن السكان البيض (21 في المائة من مجموع السكان سنة 1910) كان عددهم كثيرا نوعا ما الأمر الذي دفع بهم للإمساك بيد من حديد على مقاليد الوضع. إلا أن البربر والانكليز كانوا أعداء، وأتى تضارب المصالح الاقتصادية فيما بينهما فزاد من حدة الأحقاد والضغائن. فمستقبل السيادة البيضاء كان رهينا أذن بالتوفيق بين هذين الجانبين. وتلكم هي الغاية التي كانت ترمي إليها السياسة البريطانية منذ سنة 1906. وهكذا منحت للترانسقال والأورانج قانونا خول لهما استقلال ذاتيا تشريعيا شبيها بالذي كانت تتمتع به بالفعل كل من مستعمرتي رأس الرجاء الصالح والناتال. أن تجاور هذه الأراضي الأربعة التي سلكت فيها الحكومات سياسات مختلفة من حيث الجبايات المالية والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية كان مع ذلك يمثل محاذير خطيرة: فكيف السبيل إلى تنظيم مد السكك الحديدية واستغلالها بشكل يرضى الجميع؟ وكيف الوصول إلى انسجام في التدابير الراجعة للعلاقات بين البيض وبين الأهالي؟ لقد تغلب صك الاتحاد ( Aete d'union) الذي دخل في حيز التطبيق ابتداء من 31 مايو 1910 على هذه الصعوبات. وحينذاك أصبحت سائر القضايا الأساسية من اختصاص برلمان جنوبي أفريقيا. وكان يقع انتخاب هذا البرلمان من قبل الانكليز والبوير علاوة على جزء من السكان البيض الذين كانوا يملكون أملاكا عقارية في مستعمرة رأس الرجاء الصالح. لا شك أن هذه التسوية لم ترض مجموع البوير: إذ ظلت هنالك (في الأورانج بالخصوص) حركة مقاومة ثابتة كان يغذيها «الحزب القومي»، إلا أن تحقيق اتحاد جنوبي أفريقيا في هذه الآونة كان ناجحا فيما يبدو.
وبالنسبة لإفريقيا السوداء -سواء تعلق الأمر بإفريقيا الغربية الاستوائية الفرنسية، أم المستعمرات الانكليزية في غامبيا ( Gambie) وسييراليون ( Sierra Leone) وشاطئ الذهب ونيجيريا وأفريقيا الشرقية، أم بالأراضي الألمانية في الكاميرون والتوغو وأفريقيا الشرقية، أم بالكونغو الذي أصبح مستعمرة بلجيكية منذ سنة 1908، أم بالمستعمرات البرتغالية في كابيندا ( Cabinda) وأنغولا والموزابيك أم بالأراضي الصغيرة الاسبانية والهولندية في غينيا ( Guinée) - نجد أن الدول المستعمرة كانت ترمي إلى غاية مباشرة من الناحية الاقتصادية إلا وهي تنمية إنتاج المواد الغذائية والمواد الأولية التي كانت تخصص للتصدير إلى أوروبا. وللوصول إلى هذه الغاية نراها أقرت تشريعا زراعيا وأصدرت نصوصا قانونية تتعلق بتشغيل اليد العاملة وبتنظيم الاستغلاليات الزراعية والغابية والمعدنية.
إن التشريع الزراعي الذي قال عنه لوروابوليو ( Leroy-Beaulieu) منذ سنة 1880 بأنه «كان ما يظهر حجر الزاوية في أي نظام استعماري هادف إلى الهجرة السكنية»، هذا التشريع كان يهدف إلى إقامة توزيع للأراضي بين المستعمرين وبين الأهالي، ففي المستعمرات الفرنسية قررت الإدارة أن تدخل «الأراضي الشاغرة والتي لا مالك لها» في أملاك الدولة دون أن تبين السبيل إلى تمييز الحقوق التي أكتسبها السكان الأصليون، وأخذت الإدارة الانجليزية بأساليب مختلفة، فهنا في كينيا طبق نظام «الاحتفاظات» ذلك النظام الذي خصص للأهالي بعض المناطق دون أن يسمح فيها للمستعمرين بشراء الأراضي أو اكترائها، ثم احتفظ بباقي الأجزاء للأجانب لكي يستعمروها ولا يمكن للأهالي فيها إلا أن يكونوا عمالا بعرق الجبين، وهناك في أوغندا ألحق كافة الأراضي التي لم تكن في الملكية الخاصة للأهالي بأملاك التاج البريطاني. وتم ذلك بموجب أمر صدر سنة 1903، فكان أمرا خطيرا بحيث أنه لم يأخذ بعين الاعتبار التملك