أي أنها على هيأة مكة كما ذكروه، وليس للهيأة اسم في لسانهم البتة وإنما معنى تد هذه، وهي من أسماء الإشارة عندهم يقولون لهذا واد، ولهذين وهؤلاء ويد، ولهذه تاد، ولهاتين وهؤلاء تيد وليس للمثنى عندهم عبارة سوى عبارة الجمع، إلا ألفاظ العدد فمعنى تاد مكة أي مشبهتها (1).
ويجدر بالمؤرخ الباحث إلا يقف عند هذه النصوص ليقطع بنفي الصلة بين رحالتنا العبدري والأندلس .. لأن هناك نصا آخر في الرحلة يدلنا على أنه رأي الأندلس واختبر أخلاق أهلها كما اختبر أخلاق أهل المغرب وبرقة والحجاز والشام.
ويقول العبدري في الرحلة عند كلامه على أخلاق سكان القاهرة ما نصه:
«وما رأيت بالمغرب الأقصى والأندلس على شكاسة أخلاقهم ولا بأفريقية وأرض برقة والحجاز والشام» فهذا النص على اختصاره يدلنا على أن العبدري رأى الأندلس ومعلوم أنه لم يبق منها في عصر العبدري إلا مملكة بني الأحمر في غرناطة وما جاورها في جنوب الفردوس المفقود .. فكيف رأى العبدري الأندلس؟ ومتى رآها .. ؟
الجواب رهن بما يكشفه البحث في المستقبل ..
ولننتقل إلى أسرة العبدري وأصدقائه في المغرب ومصدرنا في ذلك الرحلة، والرحلة وحدها.
فأما والداه فلا تعلم عنهما شيئا .. وكل ما نعلم أنه خرج من بلاده شابا في مقتبل العمر .. كما خاطبه بذلك في القيروان الشيخ عبد الرحمان الدباغ صاحب معالم الإيمان حين أعطاه - أكثر من عشرة أجزاء من فوائده وفوائد شيوخه وفيها رسمهم، وقال لي أنت أولى بها مني فأتي شيخ على الوداع وأنت في عنفوان عمرك ومن حين رأيتك أنغرز حبك في قلبي .. (2) ويترك ولده محمدا في حاحة ولا ينفك يطلب له الإجازة من الشيوخ الذين أخذ عنهم في رحلته على العادة المعروفة في ذلك العصر .. كما لا ينفك يراسله نظما ونثرا ينصحه ويتشوق إليه .. وهناك فرد آخر من أسرته وهو أخوه يحيي ذكره مرتين في الرحلة وقد كان مرافقا له .. ذكره عند عودته حينما شاركته في الأخذ عن بعض الشيوخ بتونس .. ويظهر أن العبدري كان عازما على الاستيطان بمكة أو الإقامة بها مدة طويلة صحبة بعض من كان معه من أفراد أسرته فإننا نجده يقول عن شيخه الدباغ:
«وقال مرارا إذا قضى الله حاجتك وحججت فلا تقم في البلاد فإني كثير الشفقة على ولدك وقد أوقع الله حبه في قلبي منذ ذكرته لي». كما نجده يقول في مكة:
«وكنت عازما على المجاورة حسبنا تقدم فتجهزت للمقام واكتريت الدار وصرفت بعض ما كانوا (كذا) معي ليرجعوا إلى المغرب وحصلت أسبابي كلها بمكة».
أما أصدقاء العبدري في المغرب فيظهر أن الباقعة محمد بن عبد الملك صاحب الذيل والتكملة كان أرفعهم منزلة في نفس صاحبنا ولذلك نوه به عند شيخه ابن دقيق العبد في مصر تنويها عظيما وعرف به وبآثاره وكان أبن دقيق العبد يعرف الشيخ أبا الحسن ابن القطان (3) الذي كان من أعلام المغرب الأفذاذ في دولة الموحدين ويعرف كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتابه» (4) فأفهمه العبدري ما جد في الموضوع حول هذا الكتاب من تعقيب أبن المواق (5) على شيخه أبي الحسن أبن القطان وجمع الحافظ أبن عبد الملك للكتابين مع الاستدراك عليهما ..
وقد أثمرت هذا التعريف ثمرته الموجودة عند أبن عبد الملك حيث أننا نجده يقول في الذيل والتكملة ما نصه «أخبرني الإمام ألا وحد تقي الدين .. القشيري ابن دقيق العبد مكاتبة من مصر قال:
1 رحلة العبدري مخطوطة.
2 من الرحلة العبدرية
3 الجذوة ص 298. نيل الابتهاج ص 200. وله ترجمة حافلة في الذيل والتكملة.
4 أحكام عبد الحق الاشبيلي انظر ترجمة في عنوان الدراية ص20. وصلة الصلة ص4.
5 سماه ابن عبد الملك في الذيل محمد بن يحي أبو بكر بن خلف وتوفي سنة 642.