تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 49

رحلة العبدري الحاحي

للأستاذ: عبد القادر زمامة

من حاحة القبيلة البربرية المصمودية الشهيرة التي كانت وما تزال تقطن ما بين المحيط وسفوح الأطلس في بسيط من الأرض امتاز بوفرة خيراته من الأشجار والمراعي والينابيع - خرج الرحالة المغربي الكبير: أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن مسعود -أو سعود- العبدري في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 688 هـ قاصدا الديار المقدسة بالحجاز، مارا على منطقة سوس ما بين الاطلس الكبير والصغير، قاطعا الجنوب المغربي من الغرب إلى الشرق في ثلاثين مرحلة، حتى إذا وصل إلى الشرق أخذ طريق القوافل إلى تلمسان ومنها إلى تونس وليبيا ومصر ثم الحجاز ..

وأول ما يتبادر إلى ذهن دارس هذه الرحلة الممتعة النفيسة التي لا تزال في عالم المخطوطات الجديرة بالدراسة والنشر، هو السؤال عن حياة مؤلفها وترجمته وبيئته التي كيفت عقله وثقافته وأخلاقه، ولكن هذا السؤال سيظل بدون جواب مقنع عن حياة هذا الرحالة العبقري، لأن المؤرخين المشارقة والمغاربة - فيما نعلم- قد سكتوا عنه سكوتا عميقا غريبا حتى أنك لتشعر وأنت تبحث عن حياته في معاجم الرجال وكتب الطبقات كأنك تبحث عن مجهول في المجاهيل أو نكرة في النكرات .. على أن الأيام كفيلة بالمفاجئات والاكتشافات في ميدان البحث التاريخي .. فربما يأتي يوم نجد فيه أنفسنا أمام معلومات جديدة تتعلق بصاحبنا لا سيما وهو صديق حميم للمؤرخ المغربي الحافظ محمد بن عبد الملك صاحب الذيل والتكملة، ذلكم الكتاب الذي ما زال مبعثر الأجزاء بين الشرق والغرب .. وشيء آخر يقوي الأمل في العثور على ترجمته وهو اتصاله بكثير من شيوخ تونس وإعجابه بهم وثناؤه العاطر على علمهم وخلقهم ودينهم .. فلا يبعد أن يوجد منهم من يكتب عنه ما يكشف القناع عن ترجمته المجهولة لحد الآن ..

والشيء الغريب هو أن المؤرخين المغاربة كانوا على علم تام برحلة العبدري واستفادوا منها ونقلوا عنها الشيء الكثير .. وكانت متداولة بينهم في الأندلس والمغرب منذ القرن الثامن .. لكنهم فيما رأينا لحد الآن من مخطوطات ومطبوعات يذكرون الرحلة ولا يكادون يعرجون على صاحبها ..

فالرحالة الأندلسي خالد بن عيسى البلوي الذي خرج من بلاده فتورية بقصد الحج وطلب العلم سنة 736هـ أي بعد رحلة العبدري بنحو 48 سنة يذكر في رحلته (تاج المفرق في تحلية علماء المشرق) أبياتا للعبدري عارض بها أبيات القاضي عياض في (الشفاء) ويحلي صاحبنا بقوله: الشيخ الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد (كذا) بن سعود العبدري الحاحي (1).

وأبو العباس ابن الخطيب القسنطيني الشهير بابن قنفذ (741 - 810) يختصر رحلة العبدري اختصارا يناسب ذوقه الخاص ويسمى هذا الاختصار (المسافة السنية في اختصار الرحلة العبدرية) (2) وقد قرأت هذا الكتاب عند العلامة الوزير سيدي

1 رحلة البلوي مخطوطة

2 جذوة الاقتباس ص 79.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٩٠