ومن يهتم بتاريخ اللغات يجد أن الحضارة هي أكبر داع لنشرها وحيث أن الدولة الأموية كانت أكثر حضارة من عهد الخلفاء الراشدين فإن اللغة العربية لاشك أنها كانت في أيامهم أعظم انتشارا منها في أيام الخلفاء، وقد كثر العلماء الذين يعتنون بها ويدرسونها ويهتمون بالعلوم العامة المؤلفة بها ويسعون في انتشارها وينظمون الحلقات الخاصة لإذاعتها ويهيئون الكتب للمطالعة، فقد روى صاحب الأغاني: «في الجزء الرابع صفحة 52» أن عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي قد اتخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادا فمن جاء علق ثيابه على وتد منها ثم جر دفترا فقرأه أو بعض ما يلعب به فلعب.
ونستنتج مما تقدم أن اللغة العربية أصبحت في العصر الأموي لغة الإدارة والعلم والأدب وأنها أصبحت تتسع وتنتشر في البلدان المفتوحة وأنها أصبحت هي اللغة الوحيدة المعبرة عن الاتجاهات الفكرية عند المسلمين ومن المعقول أن اللغة حينما تصل إلى هاته الدرجة وحينما تعمل على نقل إنتاج الفكر البشري من دول أخرى ستضطر إلى اختلاق بعض الكلمات الحديثة أو إلى تحويل بعض المصطلحات من معنى عادي إلى معنى جديد أو إلى إدخال كلمات جديدة في اللغة مع إخضاعها لقواعدها العامة.
وإذا كنا نتحدث عن اللغة العربية من وجهة المعاني العامة فمن الطريف أن نتحدث عن أشكالها ورسومها الخاصة فيه في العصر الجاهلي وفي صدر الإسلام أيام الخلفاء الراشدين وفي أوائل الدولة الأموية كانت تكتب بحروف غير منقوطة ولا مشكولة فكان القارئ حينما يرى الكلمة يعبر عن معناها، ولذلك تعددت القراءات في القرءان وتعددت الروايات في الشعر، ولا شك أن الذي يعرف اللغة العربية يستطيع بطريقة الاقتران الشرطي أن يفهم المقصود من الحروف بمجرد النظر فيها ولو كانت غير منقوطة ولا مشكولة ولكن حيث أن العرب قد كثر اختلاطهم بالذين أسلموا من الفرس والروم والحبشة وغيرهم فقد فشا اللحن بينهم وأصبحت اللغة العربية غير سليقية في كثير منهم، وكيف يمكن أن يحدد معنى الكلمة الغير المشكولة من ليست له بديهة في فهم اللغة العربية، لذلك فكر عدد من العلماء في إيجاد حل لهاته الطريقة الكتابية فاهتدى أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 67هـ إلى حل أولى اعتبر بسببه أول من وضع علم النحو، وذلك أنه كتب القرءان بمداد ذي لون خاص ثم احضر من يمسك المصحف وأعطاه صبغا يخالف لون المداد وقال له: «إذا فتحت فأي فأجعل نقطة فوق الحرف، وإذا كسرت فأي فأجعل نقطة تحت الحرف، وإذا ضممت فأي فأجعل نقطة أمام الحرف فإن اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة أي تنوينا فأجعل نقطتين» ففعل إلى آخر المصحف.
ولما كان هذا الحل أوليا فإن العلماء قد رأوا أنه ما زال يوجد الالتباس في الفرق بين القاف والفاء مثلا والسين والشين وغير ذلك من باقي الحروف فاتفقوا على وضع النقط للتمييز بين الحروف وأما الحركات فقد تحولت في العصر العباسي حين اختلق الخليل بن أحمد رسوما لها ما زالت آثارها تستعمل إلى الآن.
وإنما تحدثنا عن هذا الموضوع لنعرف أن علماء اللغة العربية قد بدأوا يهتمون بالكيفية التعليمية وأنهم أصبحوا يفكرون في كيفية جعل قواعد خاصة بها تحفظها من الضياع خصوصا وأنهم أصبحوا يفكرون في نقل العلوم المؤلفة باللغات الأخرى وقد يتسبب ذلك في اشتقاق بعض الكلمات وأخذها عن الغير مما يجعل القارئ في التباس إذا لم تكن الكلمة مشكولة فالشكل هو أكبر داع لحفظها من الالتباس ولذلك اشتقوه من شكل الدابة وهو عقالها لأن الحروف تضبط بعقالها فيمنعها من الهروب.
واشتهرت مدينتان عظيمتان في وضع القواعد اللغوية العربية وتحديد اتجاهاتها وتكونت بسبب ذلك مدرسيات لكل واحدة منهما طريقتها الخاصة في التفكير.
فأما البصريون فقد جددوا الحركات لبعض المعاني بعد الاستقراء العام ووضعوا القواعد الأساسية ثم قاسوا على ذلك وألزموا التابعين باحترام خطتهم وعدم اعتبار ما دونها ولو قالت به العرب في بعض إشعارهم ويعتبرون ما قيل مخالفا لذلك يسمع ولا يقاس عليه بخلاف الكوفيين فقد تعددت مناحي قياسهم وتعددت أوضاعهم الفكرية في وضع القواعد العامة للنحو العربي وتكونت بعد هؤلاء مدرسة أخرى هي مدرسة أخرى هي مدرسة بغداد وكان من رؤسائها أبن قتيبة ولم تزدهر هذه المدارس إلا أيام العباسيين.
(يتبع)