ومن يتتبع حياة العرب يجد أن للإسلام أثرا كبيرا في أحيائهم ووحدتهم وأنه كان من أكبر الدواعي التي جعلت اللغة العربية لغة دولية بعد ما كانت لغة إقليمية.
كانت اللغة العربية محصورة في جزيرة العرب وبعض أطرافها في مشارف الشام والعراق إلى تدمر فلما جاءت الدعوة الإسلامية وانتشرت انتشارا عاما اتصل العرب بالفرس والروم والهند والحبشة عن طريق الدين فاسلم كثير من هؤلاء واختلطوا بالعرب، وانكبوا على اللغة العربية يتعلمونها ويدرسونها وعلى القرءان يتفهمونه ويشرحونه لأنهم إذا لم يتعلموا اللغة العربية فسيبقون بعيدين عن لغة دينهم وعن الوظائف العامة، لأن الإسلام دين المساواة ولا يجعل الفرق بين العربي وغيره إلا بالتقوى، فإذا كان الإسلام يسمح لكل مسلم بالولاية وباحتلال المناصب العامة فأنه يشترط في ذلك المعرفة بالدين والاطلاع على كتاب الله ولهذا وجدنا المسلمين قد تهافتوا والاطلاع على كتاب الله ولهذا وجدنا المسلمين قد تهافتوا على تعلم اللغة العربية لأن الاطلاع عليها هو أكبر عامل على تفهم معاني القرءان، وحيث أن الدين أصبح مقترنا به فليس من المعقول أن تسير الدولة إلا على نهجه وإلا تنظم المراسلات الإدارية إلا بلسانه.
ومن الضروري للأمة إذا أرادات أن تساير الحضارة أن يكون التعليم فيها فاشيا وأن يكون للغتها من الحصانة ما يجعلها قادرة على تحمل المسؤوليات، وقد فكر المسلمون الأولون في ذلك فرأوا أن اللغة أصبحت أساسا من أسس انتشار الدين والثقافة لذلك اعتبروا تعليم اللغة العربية ضروريا، وقد بدا النبي ذلك حينما انتصر في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة وأسر عددا كبيرا من المشركين فأنه سمح لهم بالانطلاق من أسرهم إذا افتداهم أهلهم وجعل لكل من ليس معه فداء وهو يعلم القراءة والكتابة أن يعلم عشرة من غلمان المدينة ويعتبر ذلك فداء له، وأن دل هذا العمل على شيء فهو يدل على اعتناء النبي بتعليم اللغة العربية لأنه يعلم أن اللغة هي الركيزة الأولى في الانتصار والمجد وأن التعليم هو أساس ضمانها.
وقد اقتدى به الخلفاء والملوك في تعليم اللغة حتى أن عمر بن الخطاب أمر ببناء أماكن خاصة لتعليم الصبيان وتأديبهم.
وقد أصبحت الحركة التعليمية تزداد وتفشو بين الآفاق الإسلامية وأصبح المسلمون يدرسون لغتهم، لغة القرءان ويحفظونها من الضياع.
وليس معنى هذا أن العرب قبل الإسلام كانوا جاهلين أو لم تكن لديهم حركة أدبية بل راينا أن النبي كان يأخذ من بين الأسرى العرب من يعلم أبناء المدينة وذلك دليل على وجود الكتابة قبل الإسلام، فإذا سألتم لماذا إذن ندعو العرب قبل الإسلام بالجاهليين ونسمي عصرهن بالعصر الجاهلي ولماذا نعتهم القرءان بذلك حين قال في سورة المائدة: «افحكم الجاهلية يبغون» فإننا نرى أن المهتمين بشرح ذلك من مؤرخي الأدب قد نسبوا الجهل للعرب من عبادتهم للأوثان ومن إتباعهم لتقاليد تدل على عدم رقيم اجتماعيا، إلا أن ذلك الجزء من المعرفة كان كافيا حينما كانوا قابعين في جزيرتهم، أما وقد أصبحوا يجولون بين الأقطار ويتحكمون في كثير من الدول ويرأسون الفرس والروم فقد أصبح نصيبهم من المعرفة غير كاف لمقامهم السياسي والإداري، فالإسلام أصبح في حاجة إلى كتاب دبلوماسيين وإلى آخرين في الحسابات الإدارية خصوصا وأن عمر بن الخطاب قد نهج الفرس والروم في وضع دواوين خاصة بالجيش وبالحسابات العامة، فاضطر أول الأمر أن يجعل هذه الدواوين في العراق باللغة الفارسية وفي الشام بالرومية وفي مصر بالقبطية، ولكنه لم يكن راضيا على هاته الحالة لذلك كان يعمل جهد مستطاعه حتى يوجد طبقة من المتعلمين يسيرون دواوين الأمة باللغة العربية.
ولما وصل الحكم إلى الأمويين تعصبوا للعرب وللغتهم وتنكروا لكل ما عداها من اللغات وأصبحت لغتنا غير قاصرة في الأدب والدين بل تعدت ذلك إلى العلوم العامة وإلى تسيير الإدارة وأعلن عبد الملك أبن مروان تعريب الإدارات ومحا تلك الفرقة اللغوية في تسيير الدواوين بين أجزاء المملكة الإسلامية وفكر بعض العلماء في ترجمة بعض الكتب عن اللغة الفارسية واليونانية ولكن ذلك لم يكن بالحركة القوية وإنما كان ذلك إرهاصا لما سيقع بعد الدولة العباسية.
ومن بين هؤلاء العلماء الذين قاموا بحركة النقل حفيد معاوية خالد بن يزيد المتوفى سنة 82هـ 704م والذي يقول عنه الجاحظ في كتابه البيان والتبيين: «كان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا وفصيحا جامعا وحيد الرأي كثير الأدب وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء».