به من حضارة، إلا أن حربا عظيمة وقعت في الجنوب بسبب اعتناق أحد ملوك اليمن دين اليهودية وإكراهه سكان نجران المسيحيين على الابتعاد عن معتقداتهم وإتباعه في دينه الجديد، فلما أبوا قتل منهم عددا كبيرا وفر بعضهم إلى الدولة البيزنطية واستنجد بقيصر الروم جوستيان فأمر القيصر حليفه في الحبشة بغزو اليمن، واستولى الحبشيون عليها في القرن الخامس الميلادي واستبدوا بها إلى أن وجد زعيم عربي أسمه سيف بن ذي يزن فاستنجد بالفرس وأرجع اليمن من يد الأحباش، ولما كان الخلاف متجليا في الجنوب لم يتعهد الملوك الحاكمون سد مأرب الذي بناه العرب في القرن السادس وكان لانهياره أكبر الأثر في إتحاد العرب لان اليمنيين فر أكثرهم إلى الشمال وتفرقوا بين مكة ويترب، فانتقلت التجارة من اليمن إلى الشمال، وأصبحت مكة هي العاصمة التجارية المطلقة وأصبحت تنطلق منها القوافل التجارية إلى الشام وإلى ما بقي من أرض اليمن، وكانت هاته القوافل التجارية أكبر داع لتأليف العرب وانتشار لغتهم وتوحيدها وتهذيبها وذلك لتهافت العرب على الأسواق التجارية الموجودة قرب مكة كسوق عكاظ والمجنة وذي المجاز، وكان العرب حينما ينتهون من البيع والشراء ينشد شعراؤهم قصائد متعددة في الفخر ويجعلون ذلك وسيلة للدعاية وحيث أنهم كانوا في مكة وما حولها فإنهم كانوا يؤلفون تلك القصائد بلهجة قرشية حتى تنتشر بسرعة فأصبحت الظروف تعين على توحيد اللغة العربية.
ومما زاد لهجة قريش انتشارا وجود الأصنام - التي كان يعبدها جل العرب- بمكة فكانوا يقبلون علها ويتمسحون بها ويخاطبونها بلهجة قرشية صميمة فأصبحت هاته اللهجة في اللهجة السائدة في التجارة والأدب والدين.
وهكذا رأينا العرب قد توحدت لغتهم واتفقوا اتفاقا أوجدته الظروف على جعل لهجة قريش لغتهم العامة، ولكنهم كانوا مختلفين في الوجهات الفكرية والخلقية ولذلك كانوا في حاجة إلى من يوحد قلوبهم، فكان من حكمة الله أن أرسل فيهم رسولا منهم يدين الإسلام فحقق الوحدة للعرب ومكن اللغة العربية من الانتشار وطبعها بطابع الخلود ولا سيما حين انزل القرآن بهاته اللغة.
عزت اللغة العربية بنزول القرآن وكتب لها الخلود يوم اقترنت بالإسلام، ولم تجد أي لغة وسيلة من وسائل النشر مثل ما وجدت اللغة العربية وذلك لأنها ارتبطت بالدين الإسلامي وأصبحت لغة القرآن وحيث أن الإسلام انتشر بسرعة فائقة في جميع أنحاء العالم فإن اللغة العربية وجدت الطريق للانطلاق من شبه الجزية العربية إلى باقي أجزاء آسيا وإلى أوربا وإلى إفريقيا وإلى كثير من الأقاليم حتى أصبحت هي اللغة الرسمية حينذاك.
نزل القرآن بلهجة قريش إلا أنه سمح لبعض اللهجات أن تقرأه بلسانها فتعددت بسبب ذلك القراءات، فلما ولي عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين الخلافة قرر أبقاء لهجة قريش وإحراق جميع الصحف التي دونت القرآن بغيرها وكتب بذلك مصحفا وأرسل منه نسخا إلى الولايات العامة وأمر بأن لا يقرأ القرءان إلا بهاته اللهجة، وبذلك أصبح للغة العربية شبه وحدة وقلت الاختلافات والاتجاهات.
وإذا ما تحدثنا عن القرآن فأننا في الحقيقة نتحدث عن أعظم أثر خلفه الدين الإسلامي باللغة العربية يصور حياة العرب وعوائدهم ويدعوهم إلى الدين والاعتصام بحبل الله فأسمعه حين يقول: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون» إل عمران أية 103.
تقدم لنا أذن أن العرب قد أتحدت لغتهم الأدبية وأنهم جعلوا اللهجة القرشية هي لغة الأدب والمفاخرات والمدح وأنهم كانوا في حاجة إلى من يوحدهم فكرا وروحا، فلما جاء النبي محمد عليه السلام كان أعظم شخصية أحيت العرب من رقدتهم ونفخت فيهم روح العزة وكانت لتعابير القرآن قوة توجيهية أخرجت اللغة العربية من نطاقها الضيق إلى مختلف المواضيع حتى أن العربي عندما كان يسمع آية من القرءان يؤخذ بمحاسنها ويحاول تقليدها فتمتنع عنه نظرا لقوة بيانها وخصب معانيها وطرائف موضوعاتها، فقد قص القرءان قصص الأنبياء وبين الأحكام وأعطى النصائح كل ذلك بلغة عربية متينة حتى أن من المسلمين من جعل الإعجاز يرجع إلى لفظ القرءان.