تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«أن أقرب اللغات إلى الأصل السامي هي العربية ويعللون ذلك بأن العرب كانوا أهل بدو وأنهم لم يخالطوا غيرهم لذلك بقيت لغتهم سليمة من الاختلاط والتأثر بمن حولهم، ولكننا مع ذلك نرى أن هاته العلة لا تنطبق إلا على جزء من الجزيرة العربية وإلا فإن اللغة العربية قد اكتسبت من اللغات المجاورة لها ألفاظا متعددة كما أنها قد أثرت هي نفسها فيمن جاورها وهاته هي عادة الكون لابد من تأثر وتأثير بسبب الاختلاط.

ولتحليل ذلك يجب أن نعلم أن العرب كانوا يسكنون شبه الجزيرة العربية في الجنوب الغربي من آسيا وتحد شمالا بحدود الفرس والروم (على الاصطلاح التاريخي) وشرقا بالخليج الفارسي (العربي) وجنوبا بالمحيط الهندي وغربا بالبحر الأحمر وأنهم كانوا يسكنونها متفرقين، فكان في جنوبها العرب القحطانيون الذين ينسب إليهم الحميريون ملوك اليمن ويسمون بالعرب العاربة أي العرب الأصليين، وأما الشمال فكان يسكنه العرب العدنانيون الذين يرجع نسبهم إلى إسماعيل بن إبراهيم ويسمى هؤلاء بالعرب المستعربة: العربية إنما دخلت إليهم عن طريق المصاهرة وذلك أن إسماعيل لما أقبل على مكة تزوج بامرأة عربية من قبيلة جرهم وتكون من نسله هؤلاء وأصبحوا يتكلمون باللغة العربية وتكونت منهم قبائل شتى حتى أصبح لكل قبيلة لهجة خاصة ربما لا تفهمها القبيلة الأخرى.

وعلى حدود فارس والدولة البيزنطية تكونت دويلتان عربيتان هما دولة الغساسنة على حدود الروم ملكت الشام وسوريا ودولة اللخميين في العراق أسست سنة 240 ميلادية وانتهت بمقتل النعمان بن المنذر سنة 602م.

ولقد كان أصل رؤساء هذين الدولتين من الجنوب وكانت لكل منهما عوائد خاصة واتجاه سياسي خاص ولهجات خاصة.

ولا شك أن هذا الاختلاف في الإقامة كان من أعظم الأسباب في اختلاف اللهجات حتى أن أبا عمرو أبن العلاء أحد علماء اللغة في العصر الأموي حينما تحدث عن لغة الجنوب قال: .. ما لغة حمير بلغتنا ولا عربيتهم بعربيتنا. هذا زيادة على ما دخل على اللغة العربية قبل الإسلام من كلمات من الدول المجاورة كالنبراس والسراح والأسطول والسفينة ونحو ذلك.

وإذا ما اندرجنا مع هذا البحث فإننا نصل إلى أن لهجات العرب كانت مختلفة جدا بحيث لا نستطيع أن نجعل اللغة في العصر الجاهلي من مقومات الوحدة العربية. ولكن هل يمكن أن يستمر العرب على تفرقتهم واختلاف لهجاتهم ولغتهم من غير أن يظهر فيهم من يعمل على جمع وحدتهم ولم شتاتهم وتهذيب هاته اللغة؟.

لا شك أن العرب لم يكونوا مختلفين تخلفا تاما ولم يكونوا بالصورة التي يصورهم بها أعداؤهم، ومن يدرس تاريخ اليمن في جنوب الجزيرة العربية ويطلع على ما كان في صغار وظفار وحضرموت من حضارة يحكم حينئذ على مكانة العرب في التاريخ.

وإذا علمنا أن الحميويين في جنوب جزيرة العرب قد فكروا في إنشاء السدود وفي استغلال الطبيعة لري أراضيهم ولاكتساب الثروة عن طريق العلم لا عن طريق الصدفة لزاد إعجابنا بالأمة العربية.

إلا أننا لسنا ندعى بهذا العرض أن حضارة العرب في العصر الجاهلي لم يصبها فتور، أو أنها كانت عامة، بل أن من سكان الجزيرة من كان يعيش على البداوة وأن من المتحضرين من العرب من ضعف بسبب المناورات التي كان يقوم بها الفرس والروم فقد كانت هاتان الدولتان تعملان على إيجاد التفرقة بين العرب ونرى كثيرا من الحروب العربية إنما كانت تأييدا لفارس أو انتقاما من الروم أو العكس، ولم يكن العرب يريدون الرضوخ لهؤلاء أو لهؤلاء إلا أنهم لم يجدوا زعيما يجمعهم على كلمة واحدة، فكنت ترى في الجنوب دولة وعلى حدود فارس دولة وعلى حدود الروم دولة، وفي وسط الجزيرة قبائل متنافرة لا تشعر إلا بالوحدة القبلية، وشعر العرب بخطورة الموقف وشعر البدو أولئك الذين يتنافرون بأن مصير العرب إلى فناء وانبثق من بين العرب خطباء وشعراء كانوا على دين النصرانية أو اليهودية وأصبحوا يوجهون الآراء إلى الألفة والاتحاد ولكنها كانت صيحات في واد، إلا أن الظروف الطبيعية هيأت الفرصة للعرب وائتلافهم واتحاد لغتهم وذلك أن عرب الجنوب كانوا يعيشون في رفاهية من العيش نظرا لما اشتهروا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٨٦