ينسبها لابن زهر، وليس هذا ترددا منه في نسبتها له فطريقة أبن سناء أنه لا يذكر أسم أصحاب الموشحات، ولعل النظر في أسلوب هذه الموشحة ومقارنتها بغيرها من منظومات أبن زهر في هذا الفن يؤكد نسبتها إليه، ولو كان أبن المعتز صاحبها لوصلتنا منه نماذج أخرى غيرها ولقلده فيها غيره من شعراء المشرق، أكثر من هذا أن المؤرخين لهذا الفن سواء منهم المغاربة أو المشارقة أجمعوا على أنها من مبتكرة الأندلس، ففي (أزهار الرياض) (1) أن ابن خاتمة (2) قال في حديثه عن الموشحات: (وهذه الطريقة من مخترعات أهل الأندلس ومبتدعاتهم الآخذة بالأنفس، هم الذين نهجوا سبيلها ووضعوا محصولها)، وفي (المطرب) (3) أنها (زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي أغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق) وفي مقدمة أبن خلدون (4) أن هذا الفن (استحدثه المتأخرون من أهل الأندلس) وفي «دار الطراز» (5) أن الموشحات (مما ترك الأول للأخر وسبق بها المتقدم المتأخر وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق) وفي خلاصة الأثر والذخيرة ونفح الطيب كلام يشبه هذا الذي ذكرنا يعزو أصحابه للأندلس اختراع هذا الفن، وهذا هو الرأي الثاني في نشأة الموشحات، وقد أختلف القائلون به في أول من سبق إلى نظمها، هل هو مقدم بن معافي القبري أخذها عنه أبو عبد الله أبن عبد ربه كما عند المقري (6) وأبن خلدون؟ (7) أو هل هو بان عبد ربه كما عند أبن سعيد؟ (8) وإذا كان هل هو ابن عبد ربه صاحب العقد المكني بأبي عمرة أم أحد أحفاده؟ أو هل هو محمد بن حمود القبري الضرير كما عند أبن بسام الذي بقي مترددا بين نسبتها له أو لأبن عبد ربه؟
الحق أننا أمام هذه الخلافات لا نستطيع أن نبث في رأي خاصة وأننا لا نملك نماذج لا من موشحات مقدم ولا بان حمود الذي لا يعرف حتى عصره، الذي عاش فيه وأغلب الظن أن مقدما هو نفسه أبن حمود كما أننا نستبعد أن يكون أبو عبد الله محمد بن عبد ربه حفيد صاحب العقد هو أول من نظمها لسبب بسيط وهو أنه متأخر عن عصر نشأتها فقد ذكر المراكشي في (المعجب) أنه رحل إلى مصر ولقي فيها ابن سناء الملك، وكل ما يمكن أن نقول هو أن من أول البارعين في فن الموشحات أحمد بن عبد ربه ويوسف أبن هرون الرمادي وعبادة بن ماء السماء وأبن عبادة القزاز.
ولعل أهم من هذا كله معرفة الأسباب التي أدت إلى اختراع هذا الفن والأسس التي قام عليها في نشأته وتطروه، يقول بن خلدون: (وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا سموه الموشح) (9).
وينكر هذا القول الدكتور مصطفى عوض (10) ويرى أن الذين اخترعوا الموشحات ليسوا ممن يصح أن يطلق عليهم كلمة المتأخرين، فأبن عبد ربه ونظراؤه من قدامى شعراء الأندلس عاشوا بها قبل أن يبلغ الشعر الأندلسي درجة كبيرة من التنميق وتهذيب المناحي والفنون ويرى كذلك أن الشعر المشرقي قد بلغ درجة من التنميق لم يصلها الشعر الأندلسي في أي عصر من عصوره ومع ذلك فإن المشارقة لم يخترعوا الموشحات واعترفوا بعجزهم عن تقليدها.
وحاول المستشرق نيكل إرجاع الموشحات إلى أصل عربي فزعم أنها تقليد لمقطوعات أبي نواس وضعت أبياتها في ترتيب مغاير، وحاول مثله المستشرقان الألمانيان هارتمان وفرايتاخ فزعما أنها امتداد للمسمطات التي كان شعراء المشرق ينظمونها، وإلى هذا الرأي يذهب الدكتور شوقي ضيف حين يقول: (11) (ونردها إلى تطور في المسمطات والمخمسات التي عرفت منذ عصر أبي نواس في القرن الثاني الهجري وإلى ما نزع إليه بعض الشعراء العباسيين من نظم الشعر على أوزان جديدة غير أوزان الخليل المتبعة على نحو ما نعرف عن أبي العتاهية ورزين العروضي معاصره).
1 ج 2 ص 123.
2 صاحب كتاب (مزية المرية)
3 ص 186.
4 ص 583.
5 ص 23.
6 ج 2 ص 253 من أزهار الرياض.
7 ص 265 مع تحريف في بعض الطبقات حيث ورد أسم مقدم بن معافر الضريري.
8 في الغرب وقد نقل عنه السيوطي في وسائل مسامرة الاوائل.
9 المقدمة ص 583.
10 في كتاب (فن التوشيح) ص 99.
11 في مقدمته لكتاب (فن التوشيح ص 8).