إلى الفحش، وفي كتاب (المغرب) أورد أبن سعيد كثيرا من موشحات ابن مزمون في هذا الميدان كالتي يهجو فيها القسطلي والتي ذكر له منها قوله:
تخونك العينان يا أيها القاضي فتظلم
لا تعرف الإشهاد ولا الذي يسطر ويرقم
وإذا كان ابن مزمون قد برع في الهجاء لدرجة الإسفاف أحيانا فهو قد برع كذلك في الرثاء الذي لم يعجز الموشحون عن طرق موضوع، فقد أورد له كتاب (المغرب) (1) مرثية في أبي الحملات قائد الأعنة ببلنسية وقد قتله النصارى بقول في مطلعها:
يا عين بكي السراج إلا زهرا النيرا اللامع
وكان نعم الرتاج فكسرا كي تنشرا مدامع
وفي خرجتها:
يا قلبي المهتاج تصبرا زان الثرى مدافع
ابن أبي الحجاج فهل ترى لما جرى مدافع
وأذن فموضوعات القصيدة العربية ومعانيها هي نفس الموضوعات والمعاني التي عالجها أصحاب فن التوشيح، يقول ابن سناء الملك: (والموشحات يعمل فيها ما يعمل في أنواع الشعر من الغزل والمدح والرثاء والهجو والمجون والزهد)، وربما قصر الموشحون فنهم في العصور المتأخرة على موضوعات اللهو والمجون وكل ما يتصل بالهزل دون موضوعات الجد كالمدح والرثاء.
نشأة الموشحات:
اتفق المؤرخون لفن التوشيح على أن نشأته كانت في أواخر القرن الثالث الهجري واختلفوا في تحديد لبيئة التي نشأ فيها فجعلها بعضهم بلاد المشرق وجعلها البعض الآخر بلاد الأندلس.
أما الذين يعزون نشأتها إلى المشرق وعلى رأسهم المرحوم كامل كيلاني فينسبونها إلى أبن المعتز معتمدين على ورود هذه الموشحة في ديوانه:
أيها الساقي إليك المشتكي
قد دعوناك وأن لم تسمع
ونديم همست في غرته
وشربت الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق إليه واتكا
وسقاني أربعا في أربع
ما لعيني شقيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمر
وإذا كا شئت فاسمع خبري
شقيت عيناي من طول البكا
وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بان من حيث استوي
بات من يهواه من فرط الجوى
خافق الأحشاء من هون القوى
كلما فكر في البين بكى
ويحه يبكي لما لم يقع
ليس لي صبرا ولا لي جلد
وما لقومي عذلوا واجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد
مثل حالي حقها أن تشتكي
كد اليأس وذل الطمع
كبد حرى ودمع يكف
يعرف الذنب ولا يعترف
أيها المعرض عما أصف
قد نما حبك عندي وزكا
لا تقل في الحب أني مدعى
والواقع أنه ليس هذا الرأي ما يثبته، إذ ليس مجرد ورود هذه الموشحة، التي بقي غامضا أمر تسربها إلى ديوان أبن المعتز دليلا على أنها له في حين أنها لشاعر أندلسي هو الطبيب أبو بكر بن زهر الشهير بالحفيد نسبها له كل من ياقوت وأبن سعيد و أبن الخطيب وأبن دحية وأبن أبي أصبيعة وابن سناء الملك حيث وضعها ضمن الموشحات الأندلسية من غير أن
1 ص 217 ج 2.