تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو صح هذا الرأي لكان المشارقة أولى بهذا التطوير ولسبقوا إليه ولفاقوا الأندلسيين في نظم الموشحات أو لسايروهم على الأقل في غير تكلف، ويزيد في ضعف هذا الرأي أنه لم يعرف عن شعراء الأندلس أنهم كانوا ينظمون المسمطات أو ما يشبهها، وحتى إذا كانوا قد مارسوا هذا اللون فإنه لم يصلنا منه شيء.

وعلى عكس هؤلاء فإن بطرس البستاني يرى إرجاعها إلى أصل فرنسي ويزعم أن العرب تأثروا بالمنشدين الفرنسيين المعروفين بالجونكلور Les jongleurs ثم بالطروبادور Les troubadours البروفانسيين الذين كانوا يتجولون في فرنسا في القرن العاشر فما بعده، وهذا رأي يخالف ما ذهب إليه أغلب الباحثين الأوربيين وخاصة المستشرق كليمان هوارت من أن عرب الأندلس كانوا أساتذة التروبدور في فن القوافي والأوزان الشعرية.

ويذهب المستشرق الإسباني ميلاس فلكروزا Millas Villicrosa المتخصص في الدراسات العبرية بالبزمون Pizmon والتسبيحات اللاتينية التي يرددها المصلون عقب كل فقرة من فقرات الترتيل الديني كانت الأصل الذي استوحاه مخترع الموشحات واستبعد الدكتور أحمد هيكل (1) أن يتأثر المسلمون الأندلسيون بشيء متصل بالدين لما عرف عنهم من تعصب شديد ونفرة واضحة مما يشوب العقيدة حتى لقد كانوا ينفرون من الفلسفة بل من المذاهب الفقهية المخالفة لمذهبهم فكيف يعقل أن يتأثروا ببعض الأناشيد اليهودية الدينية.

ويرى فؤاد رجائي (إن اختراع الموشحات كان أثرا من آثار زرياب) (2) وأن هناك شيئين جوهريين نقلهما زرياب من المشرق هما طريقة تطبيق الإيقاع الغنائي على الإيقاع الشعري، وطريقة الغناء على أصول النوبة الغنائية)، ويعتقد أن هاتين الطريقتين هما اللتان أوحتا إلى الشعراء والمغنيين الذين أتوا بعد زرياب باختراع الموشحات) (3).

ولو تأملنا هذا القول لوجدنا فيه ما يرد به عليه فهو يذهب إلى أن المصدر الذي استوحاه الشعراء في ابتكار الموشحات مستورد من المشرق حمله زرياب البغدادي معه، وإذن فلماذا لم يظهر هذا الفن في المشرق؟ ولماذا لم يسرع المشارقة إلى نظمه؟ ولماذا جاءت موشحاتهم متكلفة لم يستطيعوا بها مجاراة موشحات الأندلس؟ أما غير هؤلاء من الباحثين فيذهبون إلى القول بأن فن التوشيح إنما هو تقليد لشعر غنائي ولكنهم مختلفون في نوع هذا الشعر.

فالمستشرق الإسباني خليان ريبيرا يذهب إلى أنه شعر الأغنيات الرومانية (4) ولكنا لا نستطيع إقرار هذا الرأي أو تفنيده ما دام التاريخ لم يحتفظ لنا بنماذج من هذه الأغنيات وأن كنا لا ننكر أن المسلمين في الأندلس كانوا يستعملون اللهجة الرومانية في شؤونهم العادية وفي معاملاتهم مع الإسبان.

كذلك ذهب هذا المستشرق إلى افتراض آخر هو أن هذا الغناء الذي استوحاه الوشاحون جليقي وحجته أن النساء الجليقيات كن يعملن في البيوت الأندلسية مربيات للأطفال ومغنيات في الحفلات ولكنا لنفس السبب الذي استبعدنا به رأيه السابق نستبعد هذا الرأي كذلك، والراجع عندنا ما ذهب إليه الدكتور الأهواني (5) من أن الأصل في فن الموشحات هو الأغنية الشعبية التي ظهرت في البيئة الأندلسية منذ عهودها القديمة والتي لا شك أنها كانت تمتزج في نظمها لغة الأندلسيين العربية بلهجة الإسبان الرومانية.

-يتبع-

1 في كتابه (أدب الأندلس ص 156).

2 في كتابه (الموشحات الأندلسية) ص 47 سلسلة من كنوزنا.

3 نفس المصدر السابق ص 98.

4 الرومان De roman يطلق على مجموعة اللهجات المتفرعة عن اللاتينية والتي كان يتكلمها معظم سكان أروبا في العصر الوسيط.

5 الزجل في الأندلس ص2.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٧٩