وإذا كان القفل الأول من الموشح غير أساسي فيه حيث يوجد ولا يوجد فالقفل الأخير ويسمونه الخرجة من الأركان التي لا يتم بدونها، وهي كما عند أبن سناء الملك «أبزار الموشح وملحه وسكره ومسكه وعنبره»، واشترطوا في الخرجة أن تشتمل على شيء من الفكاهة والمجون والسخف وأن تكون ألفاظها ملحونة غير معربة إلا إذا كانت بيت شعر مضمنا أو كانت مستعارة من موشحة أخرى، وإلا إذا كانت ألفاظها غزلا جدا أو كان موضوعها مدحا وذكر فيها أسم الممدوح، واستحسنوا إلى جانب هذا أن تكون باللفظ العامي أو العجمي كما في بعض الخرجات الأندلسية التي وردت بالرومانية، وكما فعل أبن سناء الملك فقد جاءت بعض خرجاته بالفارسية وأن تكون قولا أو غناء يورده الوشاح على لسانه أو لسان غيره من الناس والحيوان يقدم له في الدور السابق على الخرجة بلفظ يتضمن معنى القول أو الغناء كقلت وغنت وغيرهما مما يمهد به، وربما جاء أغلب الخرجات محكيا على لسان فتاة تبدي حبها لصاحبها وتتغزل فيه.
أما من ناحية الوزن فمن الموشحات ما ورد على الأوزان القديمة كالرجز والمديد والخفيف والهزج والتسريع والمتقارب والبسيط والرمل في أغلب الأحيان، ولعلها في مرحلتها الأولى وقبل أن تتطور كانت تنظم على هذه الأوزان وغيرها من البحور التي تقاس بها القصيدة العربية.
ومنها ما ورد على أوزان جديدة ومع ذلك فهي كما لاحظ أبن سناء الملك مما «يدركه السمع ويعرفه الذوق كما يعرف أوزان الشعر ولا يحتاج فيها إلى وزنها يميزان العروض».
ومنها ما تنوعت أوزانه فجاءت بعض أجزائه على بحر قديم والأجزاء الأخرى على أوزان جديدة.
ومنها ما ورد على الأوزان المألوفة يعمد الوشاح إلى كسرها كان يلتزم حرفا على حركة معينة أو يقحم كلمة مما يخرج الوزن عما هو معروف، ومنها إلى جانب هذا ما لا يسير على البحور القديمة ولكنه «مضطرب الوزن مهلهل النسج مفكك النظم لا يحس الذوق صحته من سقمه ولا دخوله من خروجه .. وما كان من هذا النمط فما يعلم صالحه من فاسده إلا يميزان التلحين فإن منه ما يشهد الذوق بزحافه بل بكسرة فيجير التلحين كسره ويشفي سقمه ويرده صحيحا ما به قلبه وساكنا لا تضطرب فيه كلمة» (1).
وقد حاول الوشاح الأندلسي الشهير بأعمى طليطلة أن يحصر أوزان الموشحات فجمع منها مائة وستة وأربعين يمكن إرجاعها كلها إلى بحور الخليل (2) ولكنه لم يستطع استقصاء جميع الأوزان التي نظمت بها.
وأما من ناحية القافية فقد سبق أن قلنا أنها تختلف في الأبيات وتتفق في الإقفال التي هي كاللازمة تعيد على السمع نفس الإيقاع. وهذه موشحة لأعمى طليطلة نوردها نموذجا لهذا الفن قال:
غصن غصن
قفل: ضاحك عن جمان سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان وحواه صدري
(مذهب أو مطلع)
آه مما أحد شفني مما أجد
بيت قام به وقعد باطن متئد
كلما قلت قد قال لي أبن قد
قفل: وانثني خوط بأن، ذا فن نضر
عابثته بدان للصبا والقطر
ليس لي منك بد خذ فؤادي عن يد
بيت لم تدع لي جلد غير أني أجهد
مكرع من شهد واشتياقي يشهد
قفل: ما لبنت الدنان، ولذاك الثغر
أبن محيا الزمان من حميا الخمر
بي هو مضمر ليت جهدي وفقه
بيت كلما يظهر ففؤادي أفقه
ذلك المنظر لا يداوي عشقه
1 اأبن سناء الملك.
2 دائرة المعارف الإسلامية.