ولنضرب مثلا آخر:
أني، حينما أفكر في ممثل كيوسف وهبي، لا أفكر في أسم معين فقط، ولكني أتصور مواهب فنان (من خلال نظرتي إلى الفن المسرحي) وأتصور، كذلك، مختلف الظروف والمقومات المجتمعية التي بدونها يستحيل ليوسف وهبي أن يتصل بأفقي الخاص، بوجه من الوجوه.
فلنفرض أن يوسف وهبي ليس بفنان مشهور، هذا لا يمنعني من أن أعرفه، كما أعرف كثيرا من الناس، ليسوا بفنانين. لكن، هل يتأتى، في حالة هذا الفرض، أن أفكر في يوسف وهبي داخل مجموعة من المفاهيم والذكريات الفنية؟ وهل يجوز لاسمه أن يستدعي ويثير هذا التفكير؟
لقد ضربت المثال بيوسف وهبي، لا لأنه شخص «من» الأشخاص، بل لأنه «ذات» الشخص الذي يثير أسمه، في نفسي (كلما تذكرته) التجديد في المسرح العربي المعاصر، وأتصور من جديد رواية «أبناء الشوارع»، و «راسبوتين»، وبعض الأفلام .. ومعنى هذا، أنني حينما أفكر في يوسف وهبي، أفكر في بعض الفترات من ماضي، في اتصاله بظروف جمعتني، بكيفية ما، بيوسف وهبي - الفنان: قد أصبح وهبي وفنه جزءا من أجزاء أفقي الثقافي. فتصوراتي الحالية تلح في أن تتوفر هذه المجموعة من العوامل لكي تكون تصورا ليوسف، أني أتذكر من يوسف وهبي «شخصه»، أي الناحية المجتمعية من هذا الرجل، لا كينونته الخام.
لا يفهم الفكر الأشياء إلا ضمن علاقات بعضها ببعض، وحتى فيما هو من أعماقنا، كالتفكير، والذكريات، والعواطف. لابد من روابط: فالتفكير لا يكون إلا تفكيرا في. والذكرى لا تكون إلا تذكرا لـ ... ، والتعاطف لا يفهم إلا بين أثنين، على الأقل (ذاتيين، أو ذات وموضوع)، والحب يربط محبا بمحبوب ... فنحن حينما نفكر، نفكر «مع» أو «ضد» (وفي غالب الأحوال «مع» و «ضد»، في آن واحد).
ف «المحاورات» الأفلاطونية تفكير أفلاطون مع سقراط، وضد السفسطائيين.
وهكذا، نشاهد أن كل تفكير هو تفكير لعصر، وفي هذا العصر، ومدين له. ولو عارض المفكر كل نظريات معاصريه. فسيبنوزا ومالبرانش، وأن كانا فيلسوفين أصيلين، يعدان، في نفس الوقت، من المنتسبين للمدرسة الكارتيزيائية، في اتجاهات مختلفة. فمثلا، يقتبس سبينوزا من الدين فكرة خلود الحياة ويصوغها في قالب عقلي مقتبس من ديكارت. أما مالبرانش، فإنه، وأن قبل الكوجيطو (من بين ما أخذ من ديكارت) يهتم بالمعاني التي يفكر فيها، أكثر من الطريقة المتبعة في التفكير، لو أن الدائرة، التي أشاهدها، لم تكن أي شيء، فإني حينما أفكر فيها، أكون لا أفكر في شيء. أن الذين يكتفون بعرض المبادئ والاتجاه لمذهب فلسفي، أو لمدرسة أدبية أو فنية، لا يعرفونها إلا تعريفا ناقصا. فالتحديد الكفيل بأن يعرفنا، معرفة تامة بذلك المذهب أو تلك المدرسة، هو كل تحديد يبرز ما يحيط بهما من مذاهب ومدارس مضادة وموازية، أي أن كل تعريف، لنشاط ثقافي يجب أن يحتوي على عنصرين أساسين: ضد ومع.
إن الكائن يلج هذا العالم، مجهولا، لا أسم له، ولا ورقة هوية. ولكنه، بمجرد ما يندمج في الصيرورة وفي اللحظة التي يبدأ فيها تشخصنه، ينقلب «ذاك الشيء» الذي دخل العالم، إلى كائن تاريخي. والموت هو الحد الأخير للتشخصن، وتصدعه، وتفكك عناصر الشخصية. وما السهو، وما الغفلة، إلا درجة في هذا التصدع، كما أن الأمراض، المسماة ب «أمراض الشخصية»، درجات أخرى. ف «إنسان» مفهوم يفرض، مسبقا، تأليفا من الكائن والشخص، فلا يوجد إنسان، ولا يمكن أن يوجد أبدا، خارج هذا التأليف. وعلى العكس من ذلك، فالعنصران الأساسيان لهذا التأليف (الكائن والشخص) يمكن وجود أحدهما مستقبلا عن الآخر: هناك الكائن بلا شخصية، ولا شعور، ولا نزوع (مثال ذلك: المليص والجنين)، وهناك الشخص بلا كائن، يحيا في آثاره فحسب، أي في الذكريات التي نحتفظ بها، كالصور الفوتوغرافية الباقية رغم فناء صاحبها (مثلا، حينما أقول أنني أحب أبن زيدون، فمعناه أنني أحب آثار الشاعر الذي حمل هذا الاسم، أحب