تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«ابن زيدون - الشاعر» مع جهلي المطلق بكينونته). بعد الموت، أي الانفصام البالغ حده الأخير، ينعدم الإنسان، كليا، وجزئيا، بشخصه. نقول أن الميت يضمحل جزئيا بشخصه، لأنه يبقى، في ذاكرة الآخرين، في الآثار الفنية، في الأعمال التي قام بها، وفيما ترك من ممتلكات. فالانفصام لا يحصل بين الكائن والشخص فحسب، بل بين «الملك» و «الكينونة» كذلك، لان الكائن البشري تأليف من كينونة وملك.

فالتشخصن، إذن، هو الكائن البشري - الكل، فالحاجة الأساسي هو أن يكون له حقل لنشاطه: المجتمع. والبيئة المجتمعية لا تقدم للكائن المجالات والشروط اللازمة للتشخصن فحسب، بل إنها توجهه، كذلك، التوجيه الرامي إلى تحقيق الإنسان. حقا، إن البيئة لا تعمل فينا، بعصا سحرية، أو عن طريق نداء نخبة من معاصرينا (كالأولياء والأبطال والمتصوفة، كما أدعاه برجسون في كتابه «منبعا الأخلاق والدين»)، ولكنها تتخذ طرقا متغيرة إلى اللانهاية، تدفعنا بها دفعا إلى النشاط، وإلى متابعة الجهود. فبقدر ما يشارك أحدنا، عمليا، في سير المجتمع، بقدر ما يصنعه الوسط ويكيفه. فهناك حركتان تكون المجتمع، منا ولنا، فكلما حصل تخلف، بين خضوعنا وتحملنا الحياة، من جهة وبين نشاطنا من جهة أخرى، وقف التشخصن عن سيره الطبيعي، كما أن كل اصطدام يقع بين قابليتنا لتأثير المجتمع، وبين قدرتنا على التكيف معه، يحدث مشاقة في شخصيتنا ويفتت الأنا، وهذه أكبر مأساة تعرفها الشخصية، وإنها لمأساة، أيضا، أن يعيش شعب من الشعوب محنة انفصام، بين مستواه الثقافي الحاضر، وبين الفترة الحالية التي وصل إليها تاريخ المدنية الإنسانية. فلكل عصر بدائيون، وهم جميع الأفراد الذين لا ينسجمون (أو لم يبقوا قابلين لانسجام) مع وسطهم. أنها بدائية نسبية، تتغير من بيئة لأخرى بيد أن لكل بيئة بدائييها. أنهم دائما عرضة لشعور خاص.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٧٠