تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتوقان إلى المستقبل، أي أنها تقدر على أن تتصور ما لم يكن بعد، وأن تدخل الممكنات في حيز المفاهيم، بل اعتمد على المجموع المؤلف من شخصي وكينونتي، أي أنني أقوم وأفي بكل التزام بأنا ي- الكل.

أنني أرادة، وامتحان لبواعث ما أريد، وتقدير، وذكرى، وبيئة .. أنني كل هذا، من حيث أنا شخص، وفي نفس الوقت، أني فعاليات بيولوجية، وتنفيذ .. من حيث أنا كائن. وزيادة على الشخص والكائن، وابتداء من اتصالهما الوثيق، يمكنني أن أكون أنسانا، أي قيمة يستطيع أي يحققها كل أولئك الذين يصلون إلى نوع «الأقنعة»، نعني شخصيات كل واحد منا. وعلى العكس من ذلك، فالذين يختارون الحياة الغير الصحية وخداع النفس ( La mauvaise foi) يجهلون، إلى الأبد، هذه القيمة، أنهم لن يجدوا، مطلقا، من تيار الصدق، وحرارته ما يكفيهم لاجتياز الشخصيات التي يلعبون دورها (في المجتمع وللمجتمع) قصد الوصول إلى الإنسان الذي يجب أن يحققوه. وبين هاته الدرجتين المتطرفتين (درجة المقنعين، ودرجة الذين نزعوا الأقنعة) توجد درجات وسطى ثانوية.

فقولنا أن مصدر الالتزام هو الشخص، معناه أن المواقف والمشاكل التي تتولد عن تاريخنا هي التي تملي كل التزام. فلا معنى للالتزام إلا إذا راعينا فيه، أولا، الواقع المجتمعي الذي يجعل الشخص هو ما هو، إننا نتحدث عن الالتزام، أما حقيقته، فالتاريخ مصدرها. فبتشخصن كينونتنا نندمج في التاريخ، قبل أن نتحمله، بل أن الفعل الذي تقوم به الكينونة، للاندماج في التاريخ، ينقلها من الكائن -في حالة- الظهور إلى كائن يزداد، شيئا فشيئا، التزامه واندماجه في حركة العالم. فالكائن في التاريخ، قد صار الكائن -مع- الآخرين، أنه شخصية. والشخص هو الكائن الذي له تاريخ. في هذا المستوى، تصير الـ «مليكة» والكينونة مرتبطتين. أما في مستوى الإنسان، فهناك تجاوز لهذه الرابطة، الإنسان «كينونة» و «ملكية» في تأليف كيفي، لا تكتمل أبدا حقيقته بكيفية مطلقة.

أن الميت هو الكائن الذي يصير هذا التأليف غير ممكن، بالنسبة إليه. أفكر الآن في ميت كنت أعرفه. فالمسألة هي أن نفهم كيف يصوغ لي أن أفكر في اللاموجود. ففكرة الموت تتكون وتتدخل في حيز التفكير، بصفتها تأليفا يضم حالة وجود واقعي إلى إثبات غياب تام، نهائي (غياب أصبح نعتا لما لم يبق). أن الموت يتجلى لي كواقع، في حين أن سنده قد فقد الحياة، فالموت هو القطب السلبي للتشخصن. كلما فكرت في الميت رجعت بي الذكرى إليه، أي وضعت بيني وبينه أداة وصل («مع» أو «و»)، أي دخلت معه في علاقة. ولكني موجود، و «هو» لم يعد! لقد كان (أو كما يقال، أصبح في خبر كان).

أما إذا كان من أفكر فيه حيا، ولكنه متغيب فحسب، فتفكيري فيه يكون عملية من نوع آخر، إنها تفرض علي جهدا لا نفي المكان، أعني أن أنكر الكثافة المادية التي تبعدني عن هذا الكائن الغائب الذي أفكر فيه. وفي الحد الأقصى، لهذه العملية، يمكن أن تبلغ الكثافة، التي تحجزني عن المفكر فيه، من الضخامة ما يجعلها ككثافة الموت. الميت هو الكائن الذي لم يعد في أي إطار مكاني، ليس «هنا» ولا «في حيز آخر»، ليس «كائنا» في أي مكان، ومع ذلك، مازال أتكلم عنه كما هو لو .. وأتذكره، وأخيله وأتصوره.

وفي الواقع، ماذا أتصور؟ أتصور شخصية، أي مجموعة من الروابط، ولا أتصور كائنا، أتصور ذاتا، كانت لي معها علاقات، كانت تسكن معي، في المكان الفلاني، أو سافرت بصحبتي .. فأنا، حينما أتذكر هذه الشخصية، إنما أبعث، من منطقة النسيان، روابط جمعتني وإياها في مكان وزمن، أي تواجدات مجتمعية. أن ما يبقى من الشخصية، فيما بعد الحياة، هي جوانب التدخلات المجتمعية (لآثار الفنية والصناعية، والمنجزات المختلفة، وما نترك بعدنا من ذكريات حية، ما أنجبنا من بنين، وما نترك من حرة في قلوب ذوينا وأصدقائنا، والفراغ الذي نخلفه داخل الجماعات التي كنا نشارك فيها .. ). فالصورة الفوتوغرافية للفقيد تعكس شخصيته. أن السقط، بعد إجهاض مثلا، لا يترك أثرا، لأنه ينعدم، قبل أن يتصوره المجتمع، «ويشخصه»، أي قبل أن يتبناه و «يشخصنه». أنه مليص، وكفى: ليست له ورقة هوية، ولا صورة فوتوغرافية، وبالتالي لا يترك سمات (ولو ضئيلة) لذاكرتنا ولتصوراتنا. ليس المليص كائنا بشريا، إنما هو نتيجة مؤلمة لعملية تحملتها امرأة، أنه «شيء ما» بقي في مستوى الأشياء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٦٨