تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الأنا نتيجة لأوضاع تاريخية وللشعور الشخصي العام. من ذلك تتركب الشخصيات الخاصة، كما أنه، من جهة أخرى، نتيجة التركيب الفردي المعقد للكائن، فذات الفنان تندمج برمتها، كذات كل، في الإنتاج الفني، وتتعالى بتحقيقها للشخص في ميدان طاقته الخلاقة. فالإبداع الفني يعكس عظمة طموح الشخص، وفضائله، وضعفه، وعجزه، وتضارباته، ومشاقاته، كما يعبر عن تناقضات، وصراع المصير الإنساني، بصفة عامة، وعن الأحوال الخاصة لبيئة الفنان وزمنه. فالخلق الفني سلوك يكون، تارة بخضوع، وأخرى بحماس، أو سخرية، أو انفعال وثورة. وأمام هذه الأنواع المختلفة للسلوك، يجسم الفن مواقف عصر ما، وسلوكا لانا أو لجماعة. ومن خلال هذا السلوك، تبرز صورة عن طائفة أو طبقة من المجتمع.

كثيرا ما يتجاهل العقل الانفعالات الحقيقية لأشخاص عصر ما، أو على الأقل، يحاول إخفاءها، بتأويلات انحيازية أة ناقصة للنصوص المكتوبة، وعلى العكس من ذلك، فالإبداع الفني يدعو إلى مشاركة وجدانية مباشرة (تقع، أحيانا في الشعور الغامض) فيوحي بأنواع من السلوك، ويحييها من جديد، رغم تعقيدها. هذا امتياز خاص بالفن، فمثلا: لو تساءلنا عن التمثال الشهير، «العبد» الذي نحته ميكيل - أنجو، أو عن الآخر المسمى ب «الليلة» لكان جوابنا: رجل في الأغلال، وامرأة نائمة. لكن هذا الجواب لا يفي بالحقيقة، بل يقف عند مظهر سطحي. هناك المعنى الذي يرمز إليه الخلق الفني، بغية أثارة تجاوب بين الذوات والموضوعات. ألا نفهم، مثلا، من العبد المكبل أنه رمز ايطاليا المعذبة، تحت نير الاستبداد، بل رمز الإنسانية جمعاء، في عصر ميكل - أنجو؟ نجد نفس الواقعية، في التعبير، عند الفنان غويا. ففي آثاره الفنية، نشعر بالأمة الاسبانية تزار غضبا وتتأجج ثائرة، ومن وراء اسبانيا نحس بغضب وثورة مجموع الإنسانية.

إن «جمهورية» أفلاطون، أو «آراء أهل المدينة الفاضلة» للفارابي، مثلا، تتعلقان بالعقل، على الأخص، نعني أنهما إنتاج صدر عن الجانب الذي هو الشخص من الأنا، لا عن الكائن. أما آثار الفنان، كفان غوغ الهولندي، فهي تعبير، في آن واحد، عن كينونة الفنان وشخصه: فإنتاج فان- غوغ، هو الرجل فان غوغ. أنستطيع أن نطبق هذا على إنتاج ك «حديث المنهج»، رغم أنه من عيون ما ألفته الإنسانية، فنقول أن ديكارت هو «حديث المنهج» و «حديث المنهج» هو ديكارت؟ أن هذا التأليف لم يكن ديكارت - الكل، فديكارت لم يكتب إلا ما أمكنه أن يكتبه، لا كل ما أراد أن يكتب. فالفرق كبير، بين ما كان يود أن يكتبه، وبين ما كتبه بالفعل (نجد معلومات حول هذا في مراسلاته، وكذلك في القسم الأول من «حديث المنهج»). وهذا ما يفسر الاحتياطات التي اتخذها، في بعض مؤلفاته، بعد أن شاهد محنة غليلي، ومما دعاه أيضا، إلى تأليف «أخلاقية مؤقتة»، وإلى تجنب بعض المسائل التي تتصل بالدين. يفسر هذا السلوك، عند ديكارت، بمراعاته للرقابة المجتمعية، وتغلب ناحية الشخص على ناحية الكينونة في الإنتاج الفكري. أما مع الفن، فغالبا ما تطغى اندفاعات الكينونة على تدخلات الشخص.

نلمس، من خلال العرض السابق، أن الخلق الفني يكون أبلغ نموذج حي للوحدة التأليفية «كائن- شخص». بما أن مفهوم «إنسان» قد صار، الآن، واضحا لدينا، يسهل تعريفه، ولو بكيفية تقريبية.

الإنسان هو الكائن الذي قد بلغ تشخصنه درجة من النمو تجعله، حينما يقوم بنشاط ما، يحقق نوايا ترمي إلى أبعد من الأشياء الفردية. أنه يضع معادلة بين أفعاله ونواياه، وملائمة نتيجة النشاط مع النية، تستلزم، من الذات، تفهما للأوضاع، وللوسائل التي يقتضيها الفعل الرامي إلى هدف معين. فالربط، بين الأجزاء والمجموع، عمل يصدر عن وعي يظهر فيه الكائن، ثم يتفتح وينمو مع الشخص، في سيره نحو الإنسان.

كل نشاط (في مستوى الإنسان) يتجه نحو قصد يرمي إليه الوعي، وبهذا يمتاز عن الأفعال الآلية والحيوية. وكل نية ترمي إلى تحقيق قيمة (إيجابية أو وسيلة). لكن، هناك دوافع وأسباب هي التي تحدد اختيار القيمة، والغاية المقصودة. وليست الدوافع والأسباب، دائما، خاضعة للتعقل أو قابلة للتفسير. أني، حينما التزم بعمل في المستقبل، لا أقتصر فقط على الناحية المتزامنة والمجتمعية من الأنا (التي هي وحدها القادرة على الخروج من الآونة الحالية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٦٧